صَرَّ الدَّرَاهمَ يصُرُّها صَرّاً، والقطعة التي توضع فيها الدراهم صرة. وتلك الخِرقة صُرَّة. روي أن رجلاً من تجار المشرق قصد المنصور بن أبي عامر مؤسس الدولة العامرية من مدينة عدن بجوهر كثير وأحجار نفيسة. فأخذ المنصور من ذلك ما استحسنه، ودفع إلى الجوهري التاجر صرّة مال. ‏وأخذ التاجر في انصرافه طريق الرّملة على شط النهر، فلما توسطها، واليوم قائظ وعرقه منصبّ، دَعَته نفسُه إلى التبرُّد في النهر. فوضع ثيابه وتلك الصرة على الشط، فمرّت حدأة فاختطفت الصرة تحسبها لحماً، وصاعدت في الأفق بها ذاهبة. ورآها التاجر فقامت قيامته، وعلم أنه لا يقدر أن يستدفع ذلك بدعوى ولا بحيلة، واشتد به الحزن.‏ ‏ وعاد إلى المنصور فأعلمه بقصته. فقال المنصور له: ‏ هل تذكر الناحية التي طارت الحدأة إليها؟ ‏قال: نعم، مرّت مشرّقة عل سمت هذا الجنان الذي يلي قصرك (يعني الرّملة). فدعا المنصور شرطيّه الخاصّ به فقال له: جئني بمشيخة أهل الرملة. فمضى وجاء بهم. فأمرهم بالبحث عمن تغيّر حاله من الفقر سريعاً وانتقل عن الإضاقة دون تدريج. فولّوا ثم عادوا فقالوا: يا مولانا، ما نعلم إلا رجلاً من ضعفائنا كان يعمل هو وأولاده بأيديهم، ويعجز عن شراء دابة، رأيناه قد اكتسى هو وولده كسوة متوسطة.‏ ‏ فأمر المنصور بإحضاره. فلما أُتي به، قال له: شيء ضاع منا وسقط إليك، ما فعلت به؟ فقال: هو ذا يا مولاي.‏ ‏وضرب بيده إلى حجزة سراويله فأخرج الصرة بعينها. فصاح التاجر طرباً وكاد يطير فرحاً.‏ ‏قال المنصور للرجل:‏ ‏ خبِّرني بما حدث.‏ ‏قال: بينما أنا أعمل في بستان تحت نخلة، إذ سقطت أمامي، فأخذتها وراقني منظرها، وقلت في نفسي: إن الطائر اختلسها من قصرك لقرب الجوار، فاحترزت بها ودعتني فاقتي إلى أخذ عشرة دنانير منها وقلت: أقلُّ ما يكون من كرم مولاي أنه يسمح لي بها.‏ فقال المنصور للتاجر: خذ صرّتك وانظرها واصدقني عن عددها.‏ ‏ ففعل، وقال: وحق رأسك يا مولاي ما ضاع منها سوى الدنانير العشرة التي ذكرها، وقد وهبتها له. فقال المنصور له: نحن أولى بذلك منك، ولا ننغص عليك فرحتك. ‏ ‏ثم أمر للتاجر بعشرة دنانير عوضاً عن دنانيره، وللرجل بعشرة دنانير أخرى، وقال له:‏ ‏ لو جئتنا قبل البحث عنك لكان ثوابك موفوراً!‏ ‏ فأخذ التاجر في الثناء على المنصور وقد عاوده نشاطه، وقال:‏ ‏ والله لأبُثَّنَّ في الأقطار عظيمَ مُلكك، وَلأقولَنّ إنك تملك طير بلادك كما تملك إنْسَها! ‏ Esmaiel.Hasan@admedia.ae