ما هي السعادة؟! كثيرون يظلون يبحثون عنها وكأنها شيء مفقود أو مخبأ في مكان ما أو هي تسكن بعيدة خلف جهة ما، بعضهم اعتقد أنها في المال واكتنازه والتباهي به، فلا هو طال مال قارون ولا هو مسك السعادة في جوهرها، بعضهم ذهب يبحث عنها في القوة والسلطة فلا هو أدرك مجد الإسكندر ولا قوة شمشون ولا هو قبض على السعادة وقوتها، بعضهم غاب ليبحث عنها في الفراغات محارباً بسيفه طواحين الهواء، فلا هو أدرك دون كيخوت في جنونه ولا هو قدر أن يهزم السعادة ويجلبها إلى بيته، وبعضهم ظل هائماً على وجهه في البراري والقفار والوديان، معتقداً أن السعادة في الخلود والبقاء، فتبع ظل جلجامش وصديقه أنكيدو، فلا بلغ السعادة الهاربة ولا قطف عشبة الخلود، والبعض الآخر اعتقد أن السعادة في الحب، فهام وعشق وبلغ الغرام والوجد والنوى والكلف والدنف حتى وصل أقصى درجة الحب الذي يخلب اللب، فلا كانت السعادة ولا كان في عداد مجانين الهوى· مشكلة كل أولئك الباحثين أنهم كانوا يطاردون السعادة ليقبضوا عليها بغية سجنها وحبسها لتكون ملكهم وحدهم، ولتبقى هي تزهر في حدائق منازلهم وحدهم، غير مدركين أن السعادة كزهرة برّية، عمرها قصير غير أن رائحتها الذكية قد تبعث فيك تلك النشوة التي تدوم، وعبقها يظل غائصاً في الذاكرة ويمكن أن يعم الجميع بدرجات متفاوتة، السعادة لها وقتها وعمرها القصير كرحلة ذكر النحل يعرف سعادته في فنائه، ورغم ذاك يذهب إلى أقصى مدى، ليرقص رقصة موته ونشوته الأخيرة· مشكلة أولئك الباحثين والمغرمين بالسعادة يريدون منها أن يطول عمرها ليوزعوها على أيامهم، في حين هي دفعة واحدة، تأتي هكذا دون استئذان ودون مكابرة، ويمكن أن تصادفك ولا تكون أنت في بالك أو يمكن أن تمسك بك وأنت تعبر عند عتبة باب جارك أو تلتقيك في مدينة بعيدة أو تنزل عليك من غيثها الممطر ونعيمها الذي تفرقه على أولئك العارفين بدروب الخير، القاصدين فضاء الحب، أولئك البسطاء الذين قد تكمن سعادتهم في ضحكة صبية مازالت تلثغ بحرف السين، أو في تلك الخبزة الحارة الخارجة لتوها من الفرن أو في تلك النومة السريعة التي لا تحتاج إلى استدعاء ولا إلى التقلب الطويل في الفراش، يمكن أن تدخل السعادة من خلال باب بيتهم الصغير الذي لا يعرف الكراهية، يمكن أن تقرع شباكهم الوحيد المطل على زاوية الشارع، لأنه مثل قلوبهم البيضاء الرحبة، يمكن أن تسافر لشخص بعينه، لأن يده في لحظة ما تحولت إلى طاقة من ضوء ونور، وفرشت طريقاً من عشب للمتعبين والشقيين بالحياة، يمكن أن تسري ليلاً لتبلغ جابر عثرات الكرام، وتسر في أذنه كلمة صغيرة يراها كالريح الباردة المرسلة أو تعضّد ذاك البدوي الذي صدق وعده وقدّس كلمته التي قالها قبل عام، السعادة·· يمكن أن تتحول إلى غيمة ظليلة تغطي رؤوس الجميع وتتوجها، متى ما عرف الإنسان طريق سعادته الخاصة، وغامر باتجاهها··