صحيفة الاتحاد

كتاب الاتحاد

في مفهوم اللغــــــة

حمدة خميس
كنت أقرأ كتاباً مترجماً عن نشأة اللغة، أحالني إلى حالتين: متعة المعرفة، والغضب من تكرار المترجم للجملة الاستهلالية الراسخة في بلاغة اللغة العربية هي (لا ريب أن)، ولأنني اكتسبت حساسية رافضة للتكرار بشكل عام ولبعض مفردات اللغة التي تتكرر في خطابنا العربي، أياً كان موضوعه، دونما انتباه لمضمونها وإحالاتها، ولأن اللغة تعبير عن مفهومنا الشخصي للعالم، للذات، وللآخر، وهي حامل معرفي يصلنا بما قبلنا، وينسج شخوصنا وطباعنا ورؤيتنا وسلوكنا بما تحمله من تأثير إيحائي لحركة الشعور والانفعال والغايات، فإننا نمتص من خلالها -دون وعي منا- آراءنا ومواقفنا من الحياة وتفاصيلها وعلاقاتها· والإنسان عامة حين يستخدم اللغة كوسيلة تعبير وتفكير، لا يولي حركة الكلمة وإيحاءها، وما يتولد عن علاقة الكلمات والأدوات ببعضها من تأثير انفعالي أي اهتمام· إذ يسلّم عادة بحكم التلقين والتداول، وثبات المصطلح والدلالة· ويتجاهل التأثير الإيحائي للغة في اهتمامه بالموضوع· ودون أن يتساءل عما إذا كانت الكلمات والأساليب تخدم غاياته وتصوراته ومبادئه· فجملة (لا ريب أن) -التي كررها المترجم- هي من الصيغ الاستهلالية السائدة في اللغة العربية دون أن ينتبه إلى أنها تحيل القارئ إلى متلقٍ راضخ أو غير موافق أو مقتنع بالرأي الذي يلحق الجملة الاستهلالية، وقد لا يفكر حتى في التعرض معها أو مناقشتها· لماذا؟ لأنّ جملة (لا ريب أن) تعني معجمياً التالي: لا ريب في أن: الريبة: الشك/ الظنة /التهمة· الدلالة: هذا الموضوع لم يرتب أو يشك أو يوجه إليه تهمة من أحد· فتوحي للقارئ بأن لا يشك ولايظن ولا يتهم· أي أن هذا الموضوع المطروح ليس موضع ظن وليس مشكوكاً فيه، فاقبله كما هو· وبهذا الإيحاء والمعنى الذي تضمره الجملة الاستهلالية نكون قد مورس علينا شكل من الاستبداد ينفي حرية رأينا وما اكتسبناه من معرفة تتيح لنا قدراً من قدرة النقد والفحص والتأويل· قد يذهب البعض إلى الاعتقاد بأن هذه الجمل الاستهلالية، ليست أكثر من كونها مفتاحاً للاسترسال في الحديث، أو أنها مجرد صيغ بريئة، اعتاد الناس تداولها دون أن يقصد من ورائها غاية ما· لكن هذا الاعتقاد سيلغي حقيقة الترابط بين اللغة والتاريخ· كما سيلغي الوظيفة الاجتماعية للغة والأسلوب· ويجعل منها مجرد أدوات حيادية باردة، وتبدو الفكرة والخطاب هما المعوّل عليهما، وليس لهما علاقة وثيقة بالأسلوب، وهذا الاعتقاد يرفضه الأسلوبيون، الذين يرون (أن كل ظاهرة أسلوبية، تحقق وظائف اجتماعية، كما أن كل ظاهرة أسلوبية، هي من بعض الوجوه، موقف واختيارات·) واللغة لا يمكن أن تشرح بمعزل عن سائر اختيارات الحياة، وحين نكتب موضوعاً عن العلم والمعرفة والحرية والعدل والحق، فليس من المنطق إذن أن نستخدم صيغاً تتضاد في وظيفتها مع وظيفة الموضوع، وحين نريد أن نبلغ الآخر معرفة ما، فليس من قيم المعرفة، ولامنطق العدل ولا خصائص العلم أن نفرضها عليه فرضاً، أو نحيله بالإيحاء و فيما يشبه التهديد، إلى إنسان مذعن، خائف، أو حذر من الجدل والنقد والاختلاف، وتفعيل الخيال، وهي ردود الفعل التي تبني شخصيته وفق خياراته، وغاياته في الوجود·

الكاتب

أرشيف الكاتب

كتاب وآراء