العلاقة ما بين الإنسان والوطن، كعلاقة القلب بالجسد، فلا يسلم أحدهما إلا بسلامة الآخر، والإنسان بوصفه الأنا العاقلة، فإن بفقدان العقل تضيع البوصلة، وتذهب السفينة في غياهب وعواقب ونواكب ومصائب.. والذين يعملون على تخدير العقول بأوهام وألغام وأسقام، ويحولون العقل البشري من أداة بناء إلى معول هدم، فإنهم يمارسون فعل الشيطان، يخرجون الإنسانية من جنة الأمان والاستقرار، إلى جحيم التمزق والتفرق، والتحرق، والتدفق حثالات وغباراً مسموماً، فلا يستقيم للدولة الوطنية عود، ولا يبقى لها وجود، طالما بقيت النفوس مأزومة، مكلومة، مثلومة، مكظومة، مهضومة، بفؤوس الطوائف، وما يتم إخراجه من المتاحف الأثرية، وما يتم البحث عنه من باطن أدراج قديمة قدم الدهر، وما تصبوا إليه بعض العقول، من تقوقع وانكفاء، واختفاء خلف سحابات داكنة، أو العيش في كنف بحور متوحشة، كل ذلك لا يؤدي إلى صياغة عالم يستطيع أن يسير على أقدامه، بدون أن يصطدم بالجدران السميكة أو يلتطم بأمواج عائقة، أو تسرقه مخالب ضارية، أو يضيع في غصون وتجاعيد زمن مكفهر منصهر بالحقد. فعندما تنمو أعشاب الطائفية، بأشواكها المؤذية تخبو الدولة الوطنية، وتضيع وتتلاشى في تجاويف ضغائن وأحقاد، لا يمكن إطفاء نيرانها، بالأحلام الوردية.. عندما تتضخم قرون الطائفية، وتكبر مخالبها، لا يبقى مكان للدولة الوطنية، ولا يعلو سوى صوت الموت. وخلاصة القول إن الطائفية هي تفتيت المفتت، وتجزئة المجزأ، والجلوس على خراب المراحل، ثم إثارة النعيق والنهيق، وبلا جدوى، ضرب الصدور، وفتح قبور الألم، والاختفاء خلف دموع هي في الأغلب نتيجة الإحساس بالدونية، والعدمية في المعنى والقيمة.. والمشهد العربي مليء بالاحتفالات الطائفية، المضنية التي أدمت الأرض والسماء، وأبادت أحلاماً، وكسرت أقلاماً، وفتحت آلاماً، وجزَّت عنق الحقيقة، وسوَّرت العقل العربي، بأسلاك كهربائية، صاعقة ماحقة ساحقة، لم تُبقِ ولم تذر، من إنسانية الإنسان سوى الشبه فقط. الطائفية في الوطن العربي بقع زيتية، أطاحت بالأحياء، ولوّثت البيئة العقلية، ونثرت غبارها، وسعارها، ودوارها، حتى أضحت القلوب أشبه بجلود داكنة قديمة منتهية الصلاحية.. الطائفية في الأساس طواف حول مواقد النار والعار. Uae88999@gmail.com