جياكومو ليوباردي شاعر ومفكر إيطالي ولد في العام 1798 وتوفى في العام 1837 أي أنه لم يعش أكثر من أربعين عاما فقط، وبسبب هذه الحياة القصيرة المقدرة له فقد كتب أول أعماله وهو في الخامسة عشرة من عمره، وظل يكتب في عزلته التي اختارها بسبب مرض عضال أصيب به مبكراً، وعانى عذاباته حتى مات، وبالرغم من أنه لم يعش الشيخوخة ولم يعرف وطأة أيامها وقسوة لياليها، إلا أن العزلة الاختيارية والمرض ربما دفعاه لأن يكتب ذات مرة عن الشيخوخة قائلاً “ الشيخوخة سيئة إلى أقصى الحدود “ ! ولكن لماذا ؟ في حين أن بعض الرومانسيين عندنا يتغزلون بها وفي وقارها وجلال الشعر الأبيض الذي تهديه لصاحبها كتاج ملك مكلل؟ ليوباردي كان من أكثر الشعراء المناهضين للقصيدة الرومانسية وللحركة الرومانسية بشكل عام، لذا كتب في الشيخوخة يقول” إن الشيخوخة سيئة جداً لأنها تسلب الإنسان كل أشكال المتعة تاركة له الشهوات الجافة، ومعها جميع الآلام، ومع ذلك فالناس يخشون الموت ويفضلون الشيخوخة” دائماً هناك ما هو أسوأ ويستحق النقد والتذمر عند الإنسان! وليوباردي مفكر عقلاني تستحق التقاطاته الذكية أن نتوقف عندها لأننا ساعتها سنعرف أن الإنسان يتطور فعلا لكنه لا يتغير بالدرجة نفسها، ففي تلك القرون البعيدة التي عاش فيها هذا الرجل وفي مدن إيطاليا الزاخرة بالنهضة والحركة والتجارة كتب مرة يقول “ مثلما هو دأب الإنسان، يدين الحاضر دائماً ويتغنى بالماضي” ! وليس عندنا أو في زماننا فقط، فالسلوك البشري أشبه بالبصمة الوراثية الكونية للجنس الآدمي لا تتغير بسهولة عبر الزمن، لذا فببساطة يمكن أن نتأكد بان الناس في زمن ليوباردي كانوا يفعلون الشيء نفسه الذي نفعله جميعا هذه الأيام، وحين نقرأ ما كتبه نصير أكثر يقينا بهذه النتيجة، لقد كتب ذات مرة “ في كل بلد يشار إلى النقائص والسيئات الكبرى للإنسان والمجتمع على أنها خاصة بهذا المكان أو ذاك ، أنا - يقول الفيلسوف - لم أتواجد مرة في جزء من العالم دون أن اسمع تلك الإشارات”. يشير الناس إلى مواطنيهم أو مجتمعهم قائلين “هنا النساء فارغات ومتقلبات، وقليلا ما يقرأن، وهن لا يملن إلى الثقافة، هنا الناس يحبون التطفل على شؤون الغير، هنا الرجال يحبون الافتراء على بعضهم، هنا الدعم والمال ويسر العيش في متناول الجميع، هنا يسود الحسد والصداقة قليلة والصدق نادر، وهكذا... كما لو أن الأشياء في مكان آخر تسير على نحو مختلف “إن الإنسان بائس بالضرورة لكنه مصر على الاعتقاد أنه بائس بالمصادفة! هذا شيء قليل جداً من شذرات أفكار ليوباردي التي وردت في كتاب له عرف بالاسم نفسه ( أفكار ) وهو جدير بالاطلاع عليه لأنه منجم غني يقودك إلى المعرفة الحكيمة بالإنسان، ومن الضروري الإشارة إلى أنه من إصدارات المشروع الإماراتي الثقافي الرائد ( كلمة ). عائشة سلطان | ayya-222@hotmail.com