في جو مشحون بالشجون والقلق والأقطاب المتنافرة، جلست مع أحبتي في غرفة انتظار بمستشفى تعرفه نيويورك والعالم جيداً، تغلب فيه مشاعر التوجس على كل شيء آخر فجلسنا بصبرٍ لايعرفه المنطق، ننتظر بأمل وإيجابية لما سيقوله الطبيب عن أختنا الصغيرة. ويبدو أن زاويتنا المميزة جذبت عجوزاً مهمتها تنظيف المكان فراوحت من أمامنا متظاهرة بأنها تجمع المنفيات وعندما هزمها فضولها سارت إلى حيث تجلس الوقورة “أم سلطان” وسألتها: من أي بلدٍ أنتم؟ فردت عليها: نحن من الإمارات العربية المتحدة. فما كان من العجوز سوى أن تركت نفاياتها على أرض غرفة الانتظار وجلست بيني وبين “أم سلطان”، وانطلقت في إعلامنا بأنها عملت مع سفير الدولة في الأمم المتحدة لفترة طويلة. فوضعت رجلاً على رجل وسارت تسرد من ذكرياتها كيف أهل الإمارات طيبون، وكم سعدت بالعمل معه وكم شعرت بالألفة والمحبة عندما كانت في بيئة بيته. لقد انصهرت حتى أصبحت واحدة منا وقلت في خاطري “التاريخ الشفاهي ورايه ورايه”. فما كان من أم سلطان سوى أن سألتها: ومن أي بلدٍ أنت؟ فقالت: أنا من ألبانيا، واسمي أوسانا وهو اسم فريد من نوعه في بلادي ولقد اختاره لي جدي الذي يدعى أحمد وأحب والدي موسى الاسم كثيراً”. فقلت لها: إذن، أنت عوشانة بنت موسى بن أحمد. فردت بالإيجاب: نعم، هذا صحيح. وبادرت عوشانة بسؤالنا عن التعليم والصحة والموت والحياة وعندما عرفت بما تقدمه الإمارات لشعبها، عضت بنانها وقالت بلغتها الأم ما لم نفهمه ترجمته لاحقاً ليعني “آه، كم أنتم محظوظون”، وأردفت تقول: لكم قلوب طيبة عرفت ذلك من تعاملي مع سعادة السفير لذا أدعو الله لكم بالتوفيق. فما كان من “أم سلطان” سوى أن حشرت في راحة يدها ما يدفع البلاء ويشق درباً تعرفه حالك الأيام. فنظرت عوشانة إلى يدها وأغلقتها بسرعة ووضعت محتواها في جيب مريول الشغل وأرتبشت إذ لم تعرف هل تذهب أم تجلس أو ماذا تقول!! وعادت تسحب كيس القمامة الذي أصبح ذيلاً بعد أن كان رفيقاً لتصرح لنا بأنها ستذهب إلى بلادها الأسبوع القادم، وستضع هدية “أم سلطان” في حصالة تجمع نقوداً لتعليم حفيدها وكررت سأدعو الله لكم دائماً. شكراً، شكراً، شكراً ولم نسمع سوى هذه الكلمات حتى اختفت بين كراسي المرهقين والمهمومين فأصبح المكان في غيابها صامتاً ونظيفاً. للعارفين أقول، لا يختلف على الجميل والخير اثنان. نعم، كريمة “أم سلطان” والله أكرم وهذا ليس بغريبٍ عليها أو على الإماراتيين، فنحن سفراء بلادنا وخبراء في الإنسانية وكلها صفات استسقيناها من الدين وأهلنا الذين ربونا، والشيخ زايد- طيب الله ثراه- الذي أكرمنا الله به وبمن خلفه من أبنائه. bilkhair@hotmail.com