الصيد مهنة قديمة جداً وعالمية جداً فما من مجتمع أو مدينة إلا ومارس أهلها الصيد قديماً كما في أيامنا هذه خاصة تلك المدن الممتدة باسترخاء كبير على شواطئ بلا نهاية، وكما أنها مهنة قديمة فهي مهمة وضرورية بالدرجة نفسها، وفي الإمارات فإن الناس لا يتوقفون عن تناول السمك باعتباره الغذاء الأكثر تفضيلاً، كما أنهم أكثر الشعوب معرفة بالأسماك من حيث أنواعها ومواسم تكاثرها وطرق صيدها، ذلك أنهم صيادون بالفطرة وهم أحفاد سلالة متحدرة نصفها من الماء ونصفها من الصحراء لذا فهم من الشعوب التي يفترض بها أن تحفظ كل تراث له علاقة من قريب أو بعيد بالصحراء والبحر ففيهما -اي في البحر والصحراء - تجري دماء شعب كامل وترتسم بصمات أجيال متعاقبة.
جلست أشاهد بشغف كبير برنامج استطلاعي حول ارتفاع أسعار الأسماك في أسواق الدولة منذ عدة أيام على قناة الشارقة، راقني وقع البرنامج ورائحة السمك التي شعرت بها تتسرب عبر الشاشة لطول ما أمضى المذيع وقته وهو يتنقل بين الناس في سوق السمك يستطلع آراءهم، راقني البرنامج لأننا صرنا نفقد وتفتقد بصماتنا الثقافية وملامح ثقافتنا الحقيقية عبر إعلامنا المحلي، فالغلبة للسياسة وأخبار الثورات وبرامج الطب والأزياء ومشاهد المدن الحديثة التي تزدهر بالزجاج والفخامة والمقاهي على الطريقة الاميركية، حيث لا سوق سمك ولا رائحة حيوانات بحرية.
كل الرجال الذين قابلهم المذيع أصروا على أن أسعار السمك غالية، وأعطوا مبررات لذلك، لكنهم وضعوا أيديهم على حقيقة استنزاف الثروة السمكية عبر الصيد العشوائي بأدوات صيد منعتها الجهات المسؤولة أصلاً، أو عبر اصطياد أسماك صغيرة لا ضرورة لصيدها بقدر الخطورة التي يشكلها هذا الصيد، فهذه الأسماك يجب أن تترك لتتكاثر ويتم لاحقاً صيدها في موسمها الصحيح، لكن السطو على مهنة الصيد من قبل الآسيويين يتسبب كما قال أحدهم بأخطار كبيرة أولها هذا الصيد العشوائي واللامبالاة بطرق الصيد القانونية والتي لا تراعي مبدأ أن هذه الأسماك ثروة وطنية وللأجيال القادمة حق فيها وعلينا أن نحافظ لهم عليها !!
لم يستول الآسيويون على المهنة من تلقاء أنفسهم، فهناك من تنازل لهم عنها لأسباب بعضها موضوعي وبعضها غير منطقي أبداً. فالشباب الحالي لم يعد الصيد مهنة تخطر ببالهم، وهذا أمر واقعي وطبيعي، لكن استخدام عمالة آسيوية مساعدة تتعدى حاجز الاستعانة إلى نطاق الاستحواذ فاستولوا على المهنة وصاروا في بعض الأسواق يتحكمون في سعر السمك وفق نظام المزادات المفتوحة وهنا فإن جمعية صيادي الدولة طالبت وتطالب بتدخل حكومي دائم كما تطالب بضرورة دعم الصيادين لمواجهة مافيا الآسيويين وعليها أن تضغط على الصيادين المواطنين للقيام بواجبهم أيضاً !
لابد من وجود إشراف ورقابة من قبل ملاك القوارب المواطنين الذين بحسب القانون لابد أن يتواجدوا مع القارب ويشرفوا على الآسيويين أثناء عمليات الصيد منعا لعمليات السرقة والصيد العشوائي وغير ذلك، لكن ماذا عن الالتزام بالقانون من قبل الإخوة المواطنين ؟


ayya-222@hotmail.com