ترعرعت في بيت كان يتغير أثاثه مرة على الأقل كل ثلاثة أشهر.. كانت والدتي ـ حفظها الله ـ تفعل ذلك باستمرار. لم أستوعب هذه الهواية إلا متأخرة. فقط كانت أمي تحرك الأثاث من مكان لآخر، فلا تبقى خزانة الملابس مكانها لفترة طويلة، إذ سيحتل السرير تلك البقعة قريباً.. وهكذا. ومن غرفة لأخرى، فغرفة الصغار ستتحول قريباً لغرفة للوالدين، فقط سينتقل الأثاث لأفاجأ بعد عودتي من المدرسة بأن علي الولوج إلى غرفتي عبر باب آخر. الجديد فقط كان شراشف مليئة بالزهور، تشتريها أمي كل موسم بألوان مختلفة لتفترشها أسرتنا الصغيرة كأنها ملابس العيد. مع كل تغير لمكان سريري أو انتقالي للغرفة الأخرى على نفس السرير كانت هناك فرحة جميلة تولد في كياني وكأنها انتقال لمنزل جديد!! هكذا تعلمت من أمي. أن ضيق اليد لا يمنعنا من الاستمتاع بأشيائنا الصغيرة لأنها نعم كبيرة، فقط علينا إدارتها جيداً. كما يقدم البعض دورات حول إدارة الوقت أو إدارة الغضب أو إدارة الأزمات.. وغيرها من الأمور التي أصبح للتعامل معها أسلوب عالمي تطرح فيه الدورات ويحج إليها الراغبون في تطوير ملكاتهم في التعامل معها، أود أن أطرح كذلك عبر زاويتي وبناء على ما أورثتني أمي أياه، مهارة مهمة تقدم مفهوماً جديداً في إدارة التعامل مع النعم المحيطة بنا. تقدم دورة (إدارة النعم) مجموعة من المهارات التي يمكننا تعلمها لتحقيق عدد من الأهداف، منها أولاً معاينة النعم والتمعن فيها عبر وسائل متعددة للتأمل، وقبل ذلك بالتأكيد تحديدها عبر استخدام أمثل للحواس، فأغلبنا لا ينتبه أصلاً لأنه يمتلك نعمة. ثم تأتي مرحلة تقييمها جيداً، وذلك بتحديد القيمة الفعلية عبر مقاييس كثيرة منها مثلاً معرفة ثمنها الحقيقي ومقارنتها بغيرها. ثم إدارة ما لدينا من نعم بطريقة مبتكرة تضاعف من مردودها النفسي علينا وتزيد من تأثيرها الإيجابي على المحيطين بنا، وهما مرحلتان منفصلتان. ثم تأتي مرحلة أخيرة في دورة (إدارة النعم) في تعلم طرق لضمان استمرار النعم عبر استثمارها. حسنا.. يبدو ما سبق مقدمة نظرية مناسبة لبداية فرع علمي جديد. أسجل عبر هذه الزاوية حقوقي الملكية الكاملة فيه. فحتى والدتي لم تكن لتفكر بالأمر على هذا النحو المفصل. سأقوم لاحقاً بترتيب أوراقي وتحضير لوحة بيضاء وأقلام ملونة وعدد من الملصقات التشجيعية والصور التوضيحية، وسأبحث عن مكان جميل يستحق أن أبدأ فيه تعليم دورة (إدارة النعم). ??? هل حدث أن انسكب العطر فجأة من زجاجته أمامك، كأن يسيل من يديك دون قصد أو تسقط زجاجته فتنكسر على الأرض؟! يجب أن يكون قد حدث هذا مرة. حاول التركيز جيداً في مشاعرك بتلك اللحظة. هذا تماماً ما يستحق الوقوف عنده، ليس العطر الضائع ولا الزجاج المنكسر، إنما الرائحة العطرة وتأثيرها على ذاتك.. هكذا علينا أن ننظر لكل ما لم نتمكن من القيام به لأننا لم نحصل عليه، أو لم نتمكن من الحفاظ عليه لأسباب خارجة عن إرادتنا.. أثره الجميل علينا. هذا أيضاً نوع من فنون (إدارة النعم). ‏Als.almenhaly@ngalarabiya.com