صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

حُسين الجادرية وحُسين الغاضرية

نُشرت لوحة وضعت عليها صورتا نوري المالكي، وهو يضع يده على صدره لاطماً، وتقابلها صورة محمد باقر الصَّدر (أعدم في 1980)، وبينهما قبة ضريح الإمام الحُسين. كُتب عليها: «يُقيم الحاج نوري المالكي مجلسه الحُسيني ابتداءً من الأربعاء إلى العاشر مِن محرم» والمكان «مجمع الأبرار في الجادرية». كأنها البداية بوجود حُسينين: حٌسين المكاتب وحُسين النَّاس، فالعزاء يُقيمه مكتب المالكي.
هل قُصد مِن هذا الإعلان الإمام الحُسين؟! وما الغرض من عرض صورة المالكي لاطماً؟! أسئلة قد تدور في ذهن المواطن الذي يعتقد أن المالكي مسؤول عن خيبة أمله في سنوات حكمه، وتحديداً أن يُقام مجلس المالكي على أرض يعتقد العراقيون، المحتجون والصامتون، أنها عقارات مغتصبة، وهي «الجادرية»!
كيف يُقحم الدِّين، في ماورد مِن الآية «وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ» التي علت اللوحة المذكورة، وهي خاصة بشعائر «الحج»، ووردت في سورة «الحج» ومناسكه، وليس اللطم، حيث ظهر المالكي لاطماً، وكأن الآية تشرح ماذا يفعل. لو كان الإعلان لشخص عادي، أو رجل دين، لا يلفت النظر، لكنه إعلان لرئيس وزراء سابق ونائب رئيس جمهورية حاضر، وحزبه، بشتى فروعه، يتربع على دوائر خطيرة.
أراد مكتبه القول في إعلانه، وبصفته الرَّسمية، إن اللطم رسمياً من شعائر الدَّولة، وإنها دولة الطّائفة، لكن أي طائفة، إنها الطائفة المقيمة على أرض الجادرية، أرض غناء تعد مِن أفضل أراضي العاصمة، أقيمت عليها جامعة بغداد، وداوئر الدَّولة المهمة، أما الطَّائفة الشيعية، فتجد أبناءها في تظاهرات البصرة وبقية مدن الجنوب والوسط، وعاشوراؤهم يقيمونه بالغاضرية.
وربَّ سائلٍ يسأل وما الغاضرية التي جعلتها تُقابل الجادرية؟! إنها أحد أسماء كربلاء، وردت في معظم كُتب التاريخ، مع قصة مقتل الحُسين (61هـ): «ودفن أهل الغاضرية مِن بني أسد جثة الحُسين، ودفنوا جثث أصحابه رحمهم الله، بعدما قُتلوا بيومٍ» (البلاذري، جمل مِن أنساب الأشراف). ذكرها ياقوت الحموي (ت622هـ): «الغاضرية منسوبة إلى غاضرة مِن بني أسد، وهي قرية مِن نواحي الكوفة» (معجم البلدان).
تداول اسم الغاضرية كثيراً في الأدب الحُسيني، ذكرها عضو المجمع العلمي العراقي ومحكمة التمييز الشَّيخ محمد بن طاهر السماوي (ت 1950) في مرثياته: «كم أقاحَ في الغاضرية أضحى/مِن دموعي شقائق النُّعمان»، وله أيضاً: «ثوى قتيلاً بشط الغاضرية ظمآن الفؤاد/ فلا ساغت مجاريها» (الطَّليعة مِن شعراء الشِّيعة). أشارت الحوادث إلى انطلاق مراسم العاشر من محرم (عاشوراء) مِن العراق، قبل تكريسها إبان العهد البويهي السنة 353هـ، بقرار رسمي. جاء في الرُّواية: إنه في «عاشر محرَّم أمرَّ معزُّ الدولة النَّاس أن يغلقوا دكاكينهم، ويبطلوا الأسواق والبيع والشراء، وأن يظهروا النَّياحة...»(ابن الأثير، الكامل في التَّاريخ).
ثم طعمتها الشعوب بما لديها من مظاهر الحزن، فدخل عليها ما دخل من ممارسات. لم يُختصر إحياء «عاشوراء» على الشِّيعة، فلسُنَّة العراق أيضاً، خارج المؤثر السياسي، طرائقهم في استذكار مأساة كربلاء، حيث الترنيم: «ابكربلا ماتوا جدودي/ ماسقوهم ماء جود/ يا دموع العين جودي/ على الحسين بن علي» (حمودي الوردي، عالم التَّكايا).
كذلك جاءت المبالغات بقضية الحُسين من فقهاء السُنَّة الكبار، فضلاً إلى مبالغات مؤرخي وفقهاء الشِّيعة، وهذه إشارة إلى أن الإمام الحُسين لا يُصنف شيعياً ولا سُنياً، مثلما يراد له في التعبئة الطَّائفية التي اجتاحت العراق، وجعلها رئيس وزراء العراق السابق صاحب مجلس الجادرية، حرباً مستمرة بين الحُسين ويزيد! فمَنْ كتب بخصوبة خيال، وتعصب للحسين، مِن فقهاء السُّنَّة الشَّيخ أبو البركات نعمان الآلوسي (ت 1899)، نجل صاحب «تفسير المعاني» أبي الثناء (ت 1854)، في فصل: «عاشوراء وقتل النَّفس المحرمة»، ورد: إن الجنَّ بكت الحسين، وأن جبرائيل عرف قبره ودلَّ عليه، وما حفظه الآلوسي من ندبِّ نساء الجنِّ: «أبكي قتيلاً بكربلاء/مضرج الوجه بالدِّماء» (الآلوسي، غالية المواعظ).
كان البويهيون عندما جعلوا عاشوراء رسمياً للدولة، والفاطميون، والصفويون بعدهم، انطلقوا من موقف إمبراطوري عابر للوطنية، لكن في ظل الدَّولة الوطنية، تُحدد مهمة المسؤول بالوطن، وتتُرك الخصوصية الطائفية للناس وليس للدولة، أي أن يبقى عاشوراء، عاشوراء «الغاضرية» وليس عاشور «الجادرية» الذي أُقيم تحت سطوة الحمايات، وغدق الأموال، بدا وكأنه معادل نقيض لعاشوراء الاحتجاج بالغاضرية، وعلى وجه الخصوص في الموسم الجاري. فقبل سنوات كان قادة الأحزاب الحاكمة يظهرون واقفين وراء القدور يوزعون الطعام على الجمهور، ويتلفعون القماش الأخضر رياءً، لكن بعد حين صار الجمهور يطاردهم، والبصرة شاهداً.
انطلاقاً من لوحة إعلان مكتب المالكي عن مجلسه الحسيني وهو يُمارس اللَّطم، نجد ساسة العراق الإسلاميين، لم يميزوا بين ماضٍ إمبراطوري ديني وحاضر وطني، فما عبرت عنه تلك اللوحة أن الطَّائفة حلت محل الدَّولة، لكن أي طائفة؟! إنها طائفة الجادرية. كذلك حسبوا خطأً بأن الحُسين معهم وهم في المعارضة ومعهم وهم في السُّلطة، ولم ينتبهوا إلى وجود حُسينين: حُسين الجادرية وحُسين الغاضرية!

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟