يعد دونالد ترامب هو أول رئيس ينتمي للعصر الرقمي، ليس زمنياً بالطبع، ولكن من حيث الطلاقة. هذا أمر غريب نقوله عن رجل في السبعينيات من عمره والذي لم يبد اهتماماً كبيراً بوادي السيليكون، وهو يلعب الجولف، وربما يكون قد وُلِدَ مرتدياً رابطة عنق. وسواء كان ذلك بالفطرة أو عن طريق التحليل، هذا الرئيس يتصرف بطرق تعترف وتستغل بعضاً من أكثر التغييرات البارزة في هذا العالم الجديد الشجاع. ولا أعني بذلك إطراءً، ولا أعني به نقداً. إنني فقط أعتقد أنه صحيح، وسأقدم لكم ثلاثة أمثلة. أولاً: إن ترامب هو أول رئيس يستفيد بشكل كامل من وسائل الإعلام الرقمية للالتفاف على الوسائط المعروفة، مثل صحافة واشنطن والأحزاب السياسية. والهاتف الذكي في يده يتيح له بث الرسائل الخاصة التي لم يتم تنقيتها من قبل المترجمين والمفسرين، وفقاً لبرنامجه وبكلماته الخاصة. على مدى عصور، لقد كان الرؤساء يحلمون بامتلاك هذه القوة، لكن ترامب هو من أدرك أن نفس المبادئ الرقمية التي استخدمتها أمازون لتجارة التجزئة وموقع «إير بي إن بي» لتأجير واستئجار أماكن للسكن، والمستخدمة لتدمير أعمال الفنادق، يمكن تطبيقها على الاتصالات السياسية. وربما يكون هذا الذكاء الرقمي مرتبطاً بطريقة ما بحساسية ترامب للقراءة. وقد قال «هاري ترومان» ذات مرة إن «جميع القادة قراء»، بيد أن هذا الرئيس هو الاستثناء. لقد أمضيت بعض الوقت معه ذات مرة على متن طائرة حملته الانتخابية وراقبته وهو يختار من بين كومة من القصاصات الإخبارية والتقارير الموضوعة على طاولته. وكان يختار قصاصة بطريقة عشوائية، ويحاول التركيز عليها، ثم يسقطها، فيما يسرح بعيداً. إن ترامب منجذب للشاشات أكثر من انجذابه للأوراق. ثانياً: هذا الرئيس الشغوف بالشاشات يدرك بالفطرة أن حقبة التليفزيون قد ولت. وأعني بذلك العصر الذي كان فيه التليفزيون هو القوة الموحدة للمجتمع الأميركي. في ذلك الوقت، خلق طيف البث المحدود أمة معتادة على ثلاثة شبكات تجارية فقط. وبمعايير اليوم، كانت الشبكات لا يمكن تمييزها تقريباً – ثلاث نسخ تهدف إلى تكوين أكبر عدد ممكن من المشاهدين من خلال عدم الإساءة إلى أي أحد. وكانت هذه الشبكات وسطية ثقافياً وطبقياً وسياسياً. أما في العالم الرقمي، فإن الخيارات الإعلامية تبدو غير محدودة، واستراتيجية الاعتدال هي استراتيجية الفاشلين. والقنوات تنجح اليوم من خلال جذب جماهير متخصصة. فقنوات الطهي تجذب الأشخاص الشغوفين بالطعام؛ والقنوات الرياضية تخدم عشاق الرياضة، وهكذا. ولكن رسائل ترامب على تويتر وخطبه غير المترابطة أمام الحشود لا تستهدف جمهوراً واسع النطاق ومعتدلاً من الأميركيين. إنها بالأحرى تسعى إلى إشراك جماهير العصر الرقمي. وفي بيئة إخبارية تتألف أساساً من الموالين، فهو يلفت الانتباه عن طريق إثارة المشاعر، وإشعال طرف وإثارة غضب الطرف الآخر. وسواء كان الناس يحبونه أو يكرهونه، فقد وضعنا في قبضته، تاركاً مساحة محدودة للخصم كي ينفذ منها. ثالثاً: المعلومات الرقمية تسعى لأن تكون حرة. أيام الصحافة الورقية، ما كان بالإمكان تهريب الوثائق بسهولة، ولكن، في النموذج الرقمي، من الممكن وضع نفس المواد على ذاكرة بيانات وتوصيلها إلى الجماهير من خلال موقع ويكيليكس. وقد كانت الحكومات تسعى دائماً إلى الاحتفاظ بالأسرار والتحكم في تدفق المعلومات. بيد أن الإنترنت يهدد تلك القوة، ويتعامل ترامب مع هذا التدفق غير القابل للسيطرة من خلال دحض المعلومات في جميع المجالات. فالأسرار المنشورة تفقد قيمتها إذا كان الجمهور غير واثق ما إذا كانت صحيحة أم لا. ديفيد فان درهل: كاتب أميركي ينشر بترتيب مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»