شهدت العاصمة البريطانية يوم الثلاثاء الماضي، انعقاد القمة العالمية الأولى للإعاقة (Global Disability Summit)، والتي استضافتها الحكومة البريطانية، بالتعاون مع الاتحاد الدولي للإعاقة، والحكومة الكينية. وتهدف هذه القمة إلى زيادة الوعي العام بحقوق وإنجازات المعاقين حول العالم، وإلقاء الضوء على الدور الذي يمكن للابتكار في مجال التكنولوجيا الحديثة أن يلعبه في تحسين مستوى معيشة هذه الطائفة من أفراد المجتمع، وفي مواجهة التحديات التي يتعرضون لها في حياتهم اليومية. وتأتي هذه القمة على خلفية التقديرات التي تشير إلى وجود أكثر من مليار شخص مصاب بنوع أو آخر من أنواع الإعاقة، وهو ما يعادل حوالي 15 في المئة من أفراد الجنس البشري، أو واحد من بين كل سبعة أشخاص، الغالبية العظمى منهم يعيشون في الدول الفقيرة والدول متوسطة الدخل. ومن بين هؤلاء، يعاني ما بين 110 ملايين إلى 190 مليون من درجة شديدة من فقدان القدرة على الحركة، وعلى الأداء الطبيعي. وللأسف، تظهر الإحصائيات تزايداً مستمراً في أعداد المعاقين من البشر، لأسباب عدة، مثل زيادة متوسط أو مؤمل العمر ضمن ظاهرة شيخوخة المجتمعات، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة. ومما يزيد الأمر سوءاً بالنسبة لأفراد هذه الفئة المتزايدة في العدد، صعوبة ومشقة حصولهم على الخدمات الصحية، مما يجعل العديد من متطلبات الرعاية الطبية التي يحتاجونها غير متاح. وحسب التصنيف الدولي للإعاقة والصحة، يعتبر مصطلح الإعاقة توصيفاً شمولياً جامعاً لكل أشكال الضعف، وقصور النشاط، ومحدودية المشاركة بأنواعها المختلفة. وتعتبر الإعاقة تجسيداً لشكل ونمط التفاعل بين الشخص الذي يعاني من مشكلة صحية، مثل الشلل المخي أو الدماغي لدى الأطفال، أو منظومة «داون» المعروفة سابقاً بالعتَه المنغولي، أو حتى الاضطرابات النفسية المزمنة مثل الاكتئاب المزمن، وبين الظروف والعوامل الشخصية والبيئية، مثل التمييز السلبي، وصعوبة استخدام المواصلات والأبنية العامة، وضعف الدعم الاجتماعي. وأحياناً ما تصطدم محاولات تعريف الإعاقة بصعوبات جمة، بسبب اختلاف المنظور للإعاقة باختلاف الثقافات، وأحياناً حتى باختلاف الدول والمناطق، فمثلا هناك المنظور الاجتماعي السائد في بريطانيا، والمنظور الحقوقي المدني السائد في الولايات المتحدة، والمنظور الطبي السائد بين أفراد المجتمع الطبي، والمنظور الأخلاقي السائد بين العامة. وترتبط الإعاقة ارتباطاً وثيقاً بالظروف الاقتصادية، حيث غالباً ما تكون بسبب الفقر، كما أنها تعتبر سبباً رئيسياً للفقر ذاته، نتيجة أن المعاقين يواجهون معوقات ومصاعب جمة داخل مجتمعاتهم، تمنعهم وتعيقهم عن المشاركة الكاملة والفاعلة في الأنشطة الاقتصادية، وتحرمهم من الحصول على الرعاية الصحية الكافية، ومن التعليم والتوظيف الملائمين. وتعتبر حالياً فئة المعاقين من أكثر الفئات أو المجموعات التي تتعرض للظلم والغبن الصحي داخل المجتمعات. فحسب تقرير الإعاقة حول العالم، الصادر عن منظمة الصحة العالمية، وبالتعاون مع البنك الدولي، يعاني المعاقون من حالة صحية أسوأ، ويحققون مستويات تعليمية وأكاديمية أقل، وتتاح لهم فرص اقتصادية ووظيفية أقل أهمية، وتنتشر بينهم معدلات أعلى من الفقر.. مقارنة بأقرانهم الذين لا يعانون إعاقات داخل نفس المجتمع. وفي ظل ذلك التدهور الصحي، والتعليمي، والوظيفي، والمادي.. من السهل أن ندرك أن العدالة الاجتماعية مفتقدة بين هذه الفئة المجتمعية. ومما قد يزيد ويضاعف من الظلم الاجتماعي الواقع على كاهل هؤلاء، ترافق الإعاقة بأحد الأسباب الأخرى للظلم الاجتماعي، مثل كونهن نساء، أو ملونين، أو من عرق أو ديانة يختلفان عن عرق أو ديانة غالبية السكان.. وهي ظروف وخصائص، كما هو معلوم، كافية بمفردها لتكون سبباً في الوقوع تحت نير الظلم الاجتماعي. وتتنوع وتتعدد أشكال الإعاقة بشكل واضح، ففي الوقت الذي تترافق فيه بعض المشاكل الصحية المرتبطة بالإعاقة مع احتياجات خاصة ومحددة من الرعاية الصحية، نجد أيضاً أن بعض أنواع الإعاقات لا يتطلب مثل تلك الاحتياجات، وإن كان جميع الأشخاص المصابين بإعاقات، يحتاجون -مثل بقية أفراد المجتمع- للرعاية الصحية العامة، ولذا يصبح توفر وسهولة الحصول على الرعاية الصحية، حقاً أساسياً من حقوق المعاقين. وهذا ما أكد عليه البند الخامس والعشرون من اتفاقية الأمم المتحدة للمعاقين، بدعمه وتأكيده على حق المعاق في الحصول على أفضل مستوى ممكن من الرعاية الصحية. وتهدف هذه الاتفاقية إلى منح أكبر قدر من الحقوق، ومن الحريات، للأشخاص المعاقين حول العالم، بغرض تحسين نوعية الحياة التي يعيشها هؤلاء.