شيء جميل أن تَزرع الابتسامةَ في وجوه الآخرين، وشيء أجمل أن يكون منشأ هذه الابتسامة إزالة عداء بين بلدين امتد لأكثر من نصف قرن كأنه أعتى خلاف بين دولتين. ونزداد سعادة حين تساهم قيادتنا في تهيئة الأجواء لعقد اتفاقية القرن الأفريقي بين الدولتين الجارتين، إثيوبيا وأريتريا، خلال القمة الثنائية بين زعيمي البلدين، آبي أحمد علي وأسياس أفورقي، والتي جرت برعاية إماراتية، وجاءت تتويجاً لجهد خلاق قاده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، على مدى الفترة الماضية، بعيداً عن أضواء أجهزة الإعلام وعيون الحاسدين، وما أن أنهى زيارته للعاصمة الإثيوبية حتى تفاجأ العالم بآبي أحمد علي يُستقبل في أسمرا بحفاوة من كل الإريتريين، حكومة وشعباً، معلناً من هناك عن توافق تاريخي لحل الخلافات العالقة بين البلدين الجارين، وعن الاستعداد المشترك لطي صفحة الخلافات السابقة، حيث عاد الدفء إلى العلاقة بين عملاقي القرن الأفريقي، بمشاركة عربية تشير مرة أخرى إلى جهود الإمارات واطلاعها بالعديد من المهمات الدبلوماسية والتنموية الداعمة للسلام والاستقرار والتنمية. الآن، وبعد القمة الثلاثية التي شهدتها عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي، لم يعد الدور الإماراتي الحيوي محل شك، ولم يعد خافياً أن مشكلات المنطقة وتحدياتها الكبرى، والتي استعصت على الكثيرين، قد أصبحت في متناول الحل، بفضل الجهود المخلصة التي بذلتها الإمارات، وبفضل دعمها الصادق وحرصها على سلامة دورها الأخلاقي والخلاق، وهو أمر لا يخفى على شعوب المنطقة، ولَم يعد بإمكان الجوقات الدعائية الزائفة، أن تخفيه أو تموهه على الناس. فالحدث الأكبر، وبلا منازع، في القرن الأفريقي خلال هذه السنوات كلها، أصبح هذه المصالحة التاريخية بين إثيوبيا وأريتريا. وهو تطور يؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار السياسي والتعاون بين دول الخليج ودول حوض البحر الأحمر، كما أنه يؤسس لعلاقات عربية خليجية شرق أفريقية جديدة قائمة على مبادئ الشراكة والتعاون المثمر، تماماً كما هي الرؤية الاستراتيجية للإمارات في أي منطقة أخرى من العالم. إنه إذا حدث يمهد لمرحلة انطلاق وتحالف جديد يجمع الجارين الأفريقيين القويين بالجارين العربيين القويين في الجهة المقابلة من البحر الأحمر، أي دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، وذلك انطلاقاً من المقاربة التي ترى أن كل إنجاز لطرف يحسب لصالح الطرف الآخر أيضاً، بنفس القوة ونفس النتائج والآثار. وقد تابعنا جميعاً الجهدَ الخلاق للشيخ محمد بن زايد، وكيف أنه كان قريباً من الزعيمين الأفريقيين، ولَم يترك العاصمة الإثيوبية حتى بدأ التواصل يتجدد بين الجارتين لإنهاء صراع مزمن، يعود إلى عام 1961 مع «حرب تحرير إريتريا»، والتي تم تتويجها بإعلان قيام دولة جديدة في 29 مايو 1991، عقب التصويت على الاستقلال عن إثيوبيا، لتتغير بذلك جغرافية إثيوبيا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. إن هذا التحالف الجديد يجسد حقيقة تاريخية غابت عن البعض، وهي أن إثيوبيا وأريتريا معاً جزء النسيج القائم في المنطقة التي تشكل دول الخليج والجزيرة العربية، إلى جانب مصر، رمانة الميزان فيها. فإثيوبيا دولة تاريخية ذات ثقل حضاري كبير، وهي وإن كانت أفريقية بشكل بارز، فإن بعدها العربي لا يقل أهمية، لاسيما في المراحل التي تنقشع فيها غيوم التدخل الأجنبي. وقد تنبه قادة العرب التاريخيين، أمثال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لهذه الحقيقة، إذ ظل يحرص على نسج علاقات متميزة مع دول الجوار الجغرافي، تماماً كما هو الحال مع المرحوم جمال عبد الناصر الذي حمل نفس الهم وعمل من أجل تحقيق التكامل مع دول شرق القارة السمراء. وينطبق الحال على إريتريا، صاحبة الشعب الذي لا تفرق بينه وبين الشعوب العربية المجاورة له. وما حدث في المصالحة بين الدولتين، هو أن الشيخ محمد بن زايد نجح في ما أخفق فيه الآخرون، حيث استطاع فك شيفرة التماهي بين طموحات شعوب هذه المنطقة.. والرئيس أفورقي كان سعيداً بالعودة إلى بيئته العربية، إذ لا ينسى عدن التي عاش بين أبنائها ثائراً لتحقيق استقلال بلده.. ورئيس الوزراء آبي أحمد أدرك هو أيضاً بوعي تاريخي حقيقة أن بلده كانت ذات يوم ملاذاً للمسلمين الأوائل الفارين من اضطهاد أهل الشرك من قريش، حين كانت تحت حكم الملك العادل «النجاشي»، وكيف أن الدعوة الإسلامية توجهت إلى كل البلاد المجاورة للجزيرة العربية، باستثناء إثيوبيا احتراماً لخصوصيتها المسيحية. شكراً بوخالد، فقد أتيت في زمن نحتاجك فيه.. وشكراً آبي أحمد، فقد ساقك القدر لوضع إثيوبيا على الطريق الصحيح وحيث ينبغي أن تكون.. وشكراً أفورقي، فلديك من الخبرة والحكمة والجلد ما يكفي لقيام تحالف عملاق بين شركاء المصير في حوض البحر الأحمر.