توجت زيارة الرئيس الصيني «شي جين بينغ» إلى دولة الإمارات، مساراً طويلاً وصل التعاون خلاله إلى مدى من التقدم لا مثيل له في العلاقات بين الصين وأي دولة أخرى في المنطقة خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وعبر عن هذا المعنى في مستهل زيارته التاريخية بقوله إنه يولي اهتماماً كبيراً لتطوير العلاقات المميزة مع دولة الإمارات، لأنها نموذج مثالي للتنمية والازدهار والانفتاح في العالم العربي. لم تكن الصين، حين قام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بزيارتها في مايو 1990، بعد خمسة أشهر فقط على أول زيارة رئاسية صينية إلى دولة الإمارات (زيارة يانغ شانغ كون في ديسمبر 1989)، قوة دولية عظيمة تتسابق دول العالم لإقامة علاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية، وبناء شراكات، معها. ولم يكن النظام العالمي حتى ذلك الوقت قد غادر رسمياً مرحلة القطبية الثنائية التي تصدرها القطبان الأميركي والسوفييتي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما لم يكن هناك يقين تام بعد بأن تلك المرحلة بلغت نهايتها، رغم تفاقم أزمة الاتحاد السوفييتي السابق. وعندما حدث ذلك التحول التاريخي، كان الاعتقاد السائد هو أن العالم ينتقل إلى مرحلة أحادية يسودها القطب الأميركي منفرداً. ولم يتصور أحد في حينه أنه لن يمضي عقد من الزمن حتى يصبح للصين شأن عظيم في العلاقات الدولية، وأنه بعد عقد ثان ستكون قد صارت قطباً عالمياً جديداً لا يقل دوره عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بل تزداد أهميته اقتصادياً وتجارياً بشكل مطرد. لكن الشيخ زايد بن سلطان، بحكمته ورؤيته وقدرته غير العادية على تقدير الأمور، رأى ما لم يره الآخرون في ذلك الوقت. ومضت سياسة دولة الإمارات منذ ذلك الوقت في اتجاه توطيد العلاقات مع الصين التي أدركت، بدورها، الأهمية الخاصة لهذه العلاقات مع دول صاعدة تحقق نجاحات سريعة. وربما تطلَّع قادة الصين في وقت مبكر أيضاً لأن تصبح دولة الإمارات البوابة الرئيسة للتجارة والاستثمار في المنطقة، وهو ما تحقق بالفعل عاماً بعد آخر. يجمع الصين ودولة الإمارات، إذن، أن كلاً منهما تمثل قصة نجاح مُلهمة، لكن هذا ليس إلا واحداً من ثلاثة جوامع رئيسة تجمعهما. فثمة جامعان آخران لا يقلان في أهميتهما، أولهما أن كلاً من الدولتين تحظى بنعمة القيادة التي تملك رؤية عميقة وقدرة على قراءة التغيرات وتوقع اتجاهات التطور، وتعرف كيف تبني على كل خطوة ناجحة ما يعقبها. والثاني أنهما تتشاركان الإيمان بالتعاون والانفتاح والسلام والاعتماد المتبادل، وتحرصان على توسيع نطاق المصالح المشتركة. لذلك، فعندما وصل التعاون بين الدولتين إلى مستوى تطلب تحقيق نقلة كبيرة جديدة فيه، قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بزيارة الصين عام 2009. لم تكن بكين قد أعلنت رسمياً في ذلك الوقت انطلاق مشروع «الحزام والطريق». لكن الأرجح أنه توقع أن يشهد العقد الحالي نقلة نوعية في دور الصين العالمي على مختلف المستويات. وربما يمكن، في هذا الإطار، فهم مغزى زيارته التالية عام 2012 عشية إعلان الصين مشروعها الهائل الذي سيغير الخريطة الجيواقتصادية واللوجستية، في منطقة واسعة للغاية تمتد من شرق آسيا إلى غرب أوروبا. ولذا، كانت دولة الإمارات في مقدمة البلدان التي قصدتها الصين عندما أطلقت هذا المشروع، اعتماداً على التقدم الكبير الذي حدث في التعاون بينهما، وعندما زار الشيخ محمد بن زايد الصين للمرة الثالثة عام 2015، كانت الآفاق الجديدة التي فتحها مشروع «الحزام والطريق» أمام التعاون بين الدولتين قد صارت أكثر وضوحاً، بعد أن أحدثت المشتركات الثلاثة التي تجمعهما طفرةً كبرى ليس هنا مجال الاستفاضة في جوانبها المتعددة. لكن يمكن الإشارة مثلاً إلى ازدياد حجم التبادل التجاري من نحو 65 مليون دولار في منتصف الثمانينيات إلى حوالي 55 مليار دولار العام الماضي (من دون حساب تجارة النفط). ولذا، وتأسيساً على كل ذلك التراكم، جاءت زيارة الرئيس «شي جين بينغ»، والتي تم خلالها توقيع 13 اتفاقية ومذكرة تفاهم جديدة، تتويجاً لمرحلة تحقق فيها تقدم غير عادي في التعاون بين الدولتين، وفاتحة لمرحلة جديدة لا حدود لآفاق هذا التقدم فيها.