أشرت في المقالتين السابقتين إلى الصعود العالمي للصين وكيف أنه يمثل فرصة استراتيجية للدول المتوسطة والصغيرة بما يُحدثه من تعددية على قمة النظام العالمي، تخلق حرية أكبر في الحركة لهذه الدول، ثم إلى تطور العلاقات العربية الصينية على الصعيد الجماعي من خلال منتدى التعاون العربي الصيني. وقد استقبلت الإمارات يوم الخميس الماضي الرئيس الصيني، في زيارة وُصِفَت بحق بأنها تاريخية على النحو الذي يؤكد مجدداً رشادة سياستها الخارجية ورؤيتها الثاقبة للمحيط الدولي. ومما يدعو إلى التقدير أن هذه الرؤية ليست بالجديدة، وإنما مثلت خطاً ثابتاً منذ وضع باني الدولة ومؤسسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أسس السياسة الخارجية للدولة الفتية. وهكذا اعتبرت زيارة الرئيس الصيني الأخيرة تدشيناً لمرحلة التأسيس الثانية للعلاقات، بحكم ما أفضت إليه من نتائج لافتة في تعزيز العلاقات بين البلدين والتأسيس لشراكة استراتيجية شاملة بينهما. ولم يكن غريباً أن تكون الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة في الجولة الآسيوية الأخيرة للرئيس الصيني، وهي أول جولة خارجية له بعد إعادة انتخابه رئيساً لبلاده. فالعلاقات بين الطرفين قديمة وراسخة والمؤشرات على متانتها قوية. ويكفي أن الإمارات كانت أول دولة خليجية أقامت علاقات استراتيجية مع الصين، وأن ثمة توافقاً بين الدولتين في الكثير من الملفات الإقليمية والدولية. ومن ناحية ثانية فإن المؤشرات الدالة على أهمية العلاقات الاقتصادية بين البلدين غير خافية، فالإمارات هي الشريك التجاري الثاني للصين عالمياً، وهي تستحوذ وحدها على ربع التجارة العربية معها بما قاربت قيمته مئتي مليار درهم في السنة الماضية، كما استقبلت أكثر من مليون صيني في السنة نفسها. ولقد فقد نوهت قيادة دولة الإمارات بالشراكة بين البلدين في قطاعات بالغة الحيوية، على رأسها النفط والطاقة المتجددة والتكنولوجيا، مؤكدةً السعي لتعزيز هذا كله في السنوات المقبلة. وقد جاءت ثمار الزيارة متسقةً مع أهميتها، حيث أشار البيان الختامي الصادر في نهايتها إلى العديد من النتائج التي تكتسب أهمية فائقةً في مسار العلاقات الإماراتية الصينية. والسمة اللافتة الأولى في هذا البيان هي شموله كافة مجالات التعاون، وعلى رأسها تلك المجالات ذات الطابع الاستراتيجي، إذ شملت هذه المجالات ما هو سياسي وتنموي ودفاعي وثقافي. فعلى الصعيد السياسي، أشار البيان إلى اتفاق الدولتين على الارتقاء بالعلاقات وتأسيس شراكة استراتيجية شاملة يلتزم فيها كل طرف بدعم الآخر، فيما يتعلق بقضاياه الوطنية الأساسية، حيث تلتزم الإمارات بوحدة الأراضي الصينية، في إشارة إلى تايوان، وتلتزم الصين بدعم الجهود التي تبذلها الإمارات من أجل احترام سيادتها وسلامة أراضيها ووحدتها، في إشارة مقابلة لقضية الجزر الثلاثة التي تحتلها إيران. وعلى الصعيد الاقتصادي، شدد البيان على تعميق التعاون بين البلدين، ضمن مبادرة «الحزام والطريق»، وهو ما يمثل بدوره أساساً متيناً لتعاون تنموي شامل من شأنه أن يعود بالنفع الأكيد على طرفيه. كما تطرق البيان إلى التعاون في مجال التكنولوجيا النووية، وتعزيز جهود منع الانتشار النووي، ومكافحة تهريب المواد النووية. ولم يفت البيان، وهو ما لا يقل أهمية عن كل ما سبق، تشجيع التواصل الثقافي وتطوير الحوار بين الطرفين. وتواصل الإمارات بثبات تقديم نموذج لافت لسياسة خارجية فعالة في محيطها العربي، وفي إطارها الإقليمي وسياقها العالمي. ولم تكن الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني للإمارات سوى دليل لا يقبل الشك على هذه الحقيقة.