في تقرير مشترك صدر بداية هذا الأسبوع، عن البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (التي تشمل 34 عضواً من بين الدول الغربية والاقتصادات الدولية الكبرى)، أكدت المنظمات الثلاث أن انخفاض جودة خدمات نظام الرعاية الصحية يعيق التنمية والتطور في جميع دول العالم دون استثناء، وبغض النظر عن مستوى الدخل. ويتجسد انخفاض جودة خدمات نظام الرعاية الصحية في عدة مظاهر؛ منها التشخيص غير السليم، والأخطاء في الوصفات الطبية، والعلاج غير الضروري أو غير المناسب، والممارسات الطبية غير الموثقة أو غير الآمنة، والتي تتم غالباً في منشئات صحية لا ترقى إلى المستوى، بالإضافة إلى فقدان أفراد الطاقم الطبي للخبرة الكافية، أو عدم تلقيهم التدريب الملائم. كما يمكن تجسيد انخفاض مستوى الرعاية الصحية، وتوضيح تبعاته من بعض الأمثلة، مثل حقيقة أن أفراد الطاقم الطبي في سبع دول أفريقية منخفضة ومتوسطة الدخل، ينجحون في الوصول للتشخيص السليم فقط فيما بين ثلث إلى ثلاثة أرباع الحالات، بينما يخطئون التشخيص في الحالات الباقية، كما أنهم لا يتبعون الإرشادات الإكلينيكية أو السريرية في أكثر من نصف الحالات. وحتى في الدول مرتفعة الدخل، والتي تتمتع غالباً بنظم رعاية صحية هي من بين الأفضل في العالم، نجد أن 15 في المئة من نفقات وتكاليف الرعاية داخل المستشفيات، هي نتيجة أخطاء طبية، أو نتيجة إصابة المريض بالعدوى أثناء إقامته بالمستشفى. ورغم أن تراجع جودة الرعاية الصحية يقع في العديد من دول العالم، دون أن يرتبط بمستوى الدخل فيها، فإن الوضع يبلغ أسوأه في الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، والتي تشير الإحصائيات إلى أن 10 في المئة ممن يتم حجزهم في مستشفياتها يتعرضون للعدوى أثناء إقامتهم، مقارنةً بسبعة في المئة فقط في الدول مرتفعة الدخل. هذا على الرغم من أنه من السهل تجنب التعرض للعدوى أثناء الإقامة في المستشفيات، من خلال تحسين إجراءات النظافة، وتطبيق تدابير التحكم في العدوى، مع استخدام مضادات الجراثيم بشكل سليم. وكانت هذه بعض النقاط الرئيسية التي ركز عليها التقرير الدولي والذي حمل عنوان «توفير رعاية صحية متميزة: الالتزام الدولي تجاه نظام رعاية صحية شمولي»، والذي ركز أيضاً على أن الإعاقات والوفيات التي تنتج من نظام رعاية صحية منخفض المستوى، يؤدي إلى تحميل المريض، وأسرته، ونظام الرعاية الصحية برمته، المزيد من النفقات والتكاليف. وعلى الرغم من أنه قد تم تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد رفع مستوى الرعاية الصحية، فعلى سبيل المثال ارتفعت معدلات النجاة للمصابين بالأمراض السرطانية وأمراض القلب والشرايين، إلا أن التقديرات حسب المؤشرات الاقتصادية العامة، وفداحة حجم العبء الاجتماعي، وتبعات الإعاقة طويلة الأمد، وفقدان الإنتاجية.. كلها تشير إلى أن انخفاض مستوى الرعاية الصحية يكلف اقتصاد العالم تريليونات الدولارات سنوياً. ولذا يصبح من البديهي، أن تترافق الجهود التي تبذل لتوفير رعاية صحية شمولية، تشمل جميع أفراد المجتمع بغض النظر عن دخلهم الفردي، أو طبقتهم الاجتماعية، أو جنسهم، أو عرقهم، أو ديانتهم.. بجهود موازية لضمان أن تكون الخدمات الطبية المقدمة ضمن الرعاية الصحية الشامل تتمتع بأفضل مستوى ممكن. فمن غير مستوى مرتفع ونوعية جيدة، يظل هدف توفير رعاية صحية شمولية، هدفاً بعيد المنال، خصوصاً في ظل حقيقة أن الفوائد الاقتصادية والاجتماعية جلية وواضحة للعيان، وهو ما يتطلب المزيد من التركيز على الاستثمار في تحسين الرعاية المقدمة، وخلق ثقة بين أفراد المجتمع ونظام الرعاية الصحية في بلادهم، وتوفير خدمات طبية مرضية للجميع دون استثناء. ومن المؤكد والثابت أن الصحة الجيدة تشكل عماد وأساس الثروة البشرية في أية دولة، ولذا لا يمكن تنمية هذه الثروة واستثمارها بالشكل الجيد في ظل نظام رعاية صحية منخفض النوعية أو غير آمن. وللأسف، تتحمل الطبقات الفقيرة في المجتمع العبء الأكبر والتبعات السلبية لنظام الرعاية الصحية منخفض النوعية، وهو بخلاف أنه يعتبر غير مقبول أخلاقياً، فإنه يفتقد فرصة الاستمرارية الاقتصادية للعائلات وللمجتمع. وبناءً على هذه الخليفة، يتضمن التقرير الصادر مؤخراً عن المنظمات الدولية الثلاث سابقة الذكر، جميع الخطوات التي يجب اتباعها فوراً من قبل الحكومات، ومن قبل نظم الرعاية الصحية، وأفراد الطاقم الطبي، وأفراد المجتمع عامة، والمرضى خصوصاً، وفي إطار من التعاون والترابط، إذا ما كان لهدف رفع مستوى وجودة الرعاية الصحية والخدمات الطبية أن يتحقق في دولة أو مجتمع ما.