بعد آلام المخاض الطويل، ولد الجبل فأراً يقدم هذا المثل العربي وصفاً ملائماً لسلسلة الإصلاحات السياسية التي طرحتها في الآونة الأخيرة الدول العربية التي يبلغ عددها 22 دولة· وقد طرحت بعض النخب الحاكمة ما يسمى بالإصلاحات لتكون على شكل مكرمة أو هدية يتفضلون بها على المجتمعات المقموعة التي أصابتها حالة عامة من الإحباط واليأس، على الأقل منذ ،1967 أو حتى قبل ذلك بكثير· ويأتي الكثير من هذه الإصلاحات كاستجابة للاضطرابات والتغيرات الاجتماعية-الاقتصادية، لكنها أيضاً استجابة، بل استجابات، لعرض القوة العسكرية الأميركية في العراق في الفترة ما بين 1990 و1991 وفي عامنا هذا أيضاً·
في السعودية، يقدم النظام الملكي الإصلاحات كخطوة نحو الانفتاح السياسي، حيث من المقرر إجراء انتخابات بلدية جزئية مع نهاية عام ،2004 ومن المتوقع أن تعقبها انتخابات جزئية لمجلس الشورى (وهو الهيئة الاستشارية المعينة تعييناً)، ولمجالس المناطق بعد ذلك بعامين· وفي مصر وعدوا بإتاحة المزيد من الحرية للأحزاب السياسية والاتحادات والنقابات، وأتت الوعود في شهر سبتمبر الماضي في الاجتماع السنوي الذي عقده الحزب الوطني الديمقراطي· فمن الذي قدّم الإصلاحات؟ إنه ابن الرئيس حسني مبارك، الذي يسود اعتقاد الآن بأنه سيكون على الأرجح خليفة لوالده·!
وتريد النخب الحاكمة في البلدان العربية الأخرى أن تراها شعوبها والعالم في مظهر المنهمك في عملية الإصلاح والتحويل الديمقراطي: هذا يحدث في المغرب، حيث اقترح الملك محمد السادس عملية متعددة المراحل من أجل انتخابات المجالس المحلية، ويأتي ذلك ضمن إطار الإصلاحات الأخرى التي توقفت منذ وقوع عمليات التفجير الإرهابية في شهر مايو الماضي· ويحدث ذلك في الأردن حيث دعا الملك عبدالله الثاني إلى تأسيس مركز حقوق الإنسان والمجلس الأعلى للإعلام، وحيث قامت الحكومة الأردنية في شهر يونيو الماضي بإحياء البرلمان بعد فجوة دامت عامين· كما يحدث في الكويت، حيث يدور جدل واسع في المجلس التشريعي، وأوساط المجتمع الكويتي عموماً، حول مشروع قانون حقوق المرأة إضافة إلى الإصلاحات الأخرى·
ليست كل تلك الإجراءات سوى عروض خارجية وتجليات شكلية لإصلاح منحه الزعماء الذين إما يشعرون بأنهم راسخون جيداً في الحكم بحيث لا تهددهم الاصلاحات، أو أنهم يريدون إطلاق إيماءة تعبر عن حسن النية وموجهة إلى واشنطن وتصريحاتها العامة حول الحاجة إلى الديمقراطية في العالم العربي· لكن الأدوات والذرائع التي تضمن الخضوع المطلق للسلطة مازالت موجودة في مكانها· وما زالت الحكومات العربية غير مستعدة لتخفيف قيود السلطة أو توسيع حدود المشاركة السياسية أمام الأحزاب وأعضاء المجتمع المدني والنساء والفئات الأخرى· وفوق ذلك يغيب الحد الأدنى من ضرورات الديمقراطية الليبرالية· فمن أين أتت العقبات أمام الإصلاح الحقيقي في العالم العربي، والتي قد تبقى لفترة طويلة جداً من الزمن خير تجسيد لمثل الجبل الذي ولد فأراً؟!
يمكننا أن نحدد معالم أربع قوى مثبطة للديمقراطية· والأولى ما أطلق عليها ابن خلدون (1332-1406) اسم العصبية ، أي التضامن القبلي أو النخبوي أو ضمن الجماعة· وقد استحدثت كل الفئات الحاكمة في العالم العربي عصبية خاصة بها وحافظت عليها، وبذلك ركزت السلطة في أيديها· وفي بلدان معينة، مثل سوريا ومصر والجزائر، لدينا عصبية العسكر و/أو الساسة المدعومين بقوة العسكر والذين يتمتعون بارتباطات وعلاقات وثيقة بفئات رجال الأعمال ذوي الهيمنة والسطوة، وأحياناً تتعزز تلك العصبية بحكم علاقات القربى أو التزاوج·وفي بلدان عربية أخرى، كالأردن والمغرب ودول الخليج، هناك عصبية الأسرة الحاكمة التي يتحقق تماسكها بحكم روابط الدم والمال والمصالح الأمنية·
وتتمثل القوة الثانية المضادة للديمقراطية في البنية المعقدة للحكومات العربية، وهي البنية التي تضع تحت تصرف النخب العربية الحاكمة ماكينة الحكومة، ونظاماً متعدد الطبقات مؤلفا من الأجهزة الأمنية التي تتفوق في حجمها وضخامتها على الآلة التي تخدم امبراطور روما أو سلطان الامبراطورية العثمانية·
وتتمثل القوة المثبطة الثالثة في التجمع الحديث نسبياً الذي يضم نخب أوساط الأعمال والتجارة، بما في ذلك طبقة المستشارين التي يقوم أعضاؤها بوظائف وكلاء محليين للصناعيين الأجانب· وقد ارتبطت مجموعات الأعمال والتجارة مع النخب السياسية الحاكمة لأن أعضاءها يريدون نظاماً مستقراً يتيح تدفق اليد العاملة والأموال وكذلك رخص وإجازات الاستيراد والتصدير والبناء والإعمار السهلة التي لا ترهقها الالتزامات والعقبات· وقد تمخض هذا عن شراكة بين أصحاب سطوة السيف وأصحاب قوة المال·
إن هذا السيناريو غير المتوقع لديمقراطية حقيقية إنما يرتبط ارتباطاً حميماً بافتقار العرب إلى التركيز على مصطلح المواطن ، مع ما يحمل في طياته من إشارات إلى الحريات المدنية، وحق المشاركة في الانتخابات وإدارة الحكومة، وكذلك الحق في المطالبة بـالحصول على شفافية الحكومة ووضعها