عقد في الرباط بالمغرب خلال الأسبوع الماضي المؤتمر الدولي حول تفكيك خطاب التطرف والغلو في الدين والعمل على نشر العلم الشرعي الصحيح الذي يحض الشباب ويبعدهم عن التكفير والإرهاب. عبدالعزيز بن عثمان التويجري، المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، أكد أن خطورة التطرف تأتي لكونه انحرافاً في المفهوم، وشذوذ في السلوك، ينحرف نحو الغلو، ويؤدي إلى العبث بالأمن والإخلال بالسلم الأهلي، وإلى ضياع فرص البناء للمجتمعات البشرية. وأفاد التويجري بأن هناك ثلاثة اتجاهات لمحاربة التطرف والإرهاب، وهي المحاربة الأمنية، والمعالجة الفكرية، وتجديد مناهج التعليم وتنقيحها لتقدم المعلومات الصحيحة عن سماحة الإسلام. المؤتمرات العلمية التي تعقد في كل مناطق العالم لمعالجة قضايا التطرف والإرهاب في الوطن العربي والعالم، لم تتوقف. وهذه المؤتمرات، الإقليمية والدولية، زادت كثافتها في السنوات الأخيرة، وكلها أجمعت وتجمع على أن أسباب هذه الظاهرة لها أبعاد دينية وثقافية واقتصادية، وأن ثمة شعوراً بغياب العدالة في بعض البلدان، علاوة على تفشي البطالة وظهور جيوب الفقر. لذلك لعبت جماعات الإسلام السياسي، بجميع أشكالها ومسمياتها، دوراً في تجنيد ودعم ومساندة هذه الفئات. والسؤال الذي علينا طرحه في الوطن العربي عموماً وفي منطقة الخليج خصوصاً، هو: لماذا نشأ الإرهاب والتطرف في مجتمعاتنا التقليدية المحافظة والمرفهة؟ وما هي آثار هذه الظاهرة على الأمن والاستقرار السياسي في هذه البلدان؟ وكيف يمكن معالجة ظاهرة الإرهاب والتطرف بعيداً عن التركيز المفرط على الجانب الأمني فحسب؟ لا يمكن الإجابة على كل هذه التساؤلات في مقال واحد، لكن يمكن القول بأن هناك أسباباً كثيرة لانتشار هذه الظاهرة في مجتمعاتنا. فظاهرة التطرف الديني العنيف بدأت تاريخياً في الجمهوريات العربية، وكان التمويل العربي مساعداً على انتشارها. ثم بدأ الخطاب الدعوي الديني يصعد بقوة بعد هزيمة 1967، حيث انتشرت جماعات الإسلام السياسي بالتزامن مع أفول المد القومي الناصري.. وقد أفرزت هذه الحركات الدينية، من «إخوان» وسلف وغيرهم، مغالين ومتطرفين وإرهابيين، ينتمون إلى هذه الجماعات. وقد تغذت الجماعات الدينية على خطاب التعصب، وإلغاء الآخر، واحتكار الحقيقة، من خلال المنحى الدعوي المتطرف، في المدارس والمساجد وحتى في البيوت، بعلم ومباركة بعض الأنظمة العربية، بغية محاربة اليسار والشيوعية والتيارات القومية في حينه، حتى إن بعض الدول العربية تحالفت مع جماعات الإسلامي السياسي لفترة طويلة قبل اكتشاف خطورتها. ولا يسمح المجال هنا باستعراض ظاهرة «الأفغان العرب»، وتأثير الثورة الإيرانية على حركات الإسلام السياسي في المنطقة.. لكن من أهم العوامل التي ساعدت على انتشار التطرف والإرهاب هو فشل عملية التحديث، سواء على المستوى التعليمي أو الإعلامي أو السياسي أو الاقتصادي. إن فشل التحديث على جميع المستويات، ومنها المستوى الثقافي، أدى إلى انتشار ثقافة التطرف والتعصب الديني. فالثقافة الإقصائية في أي مجتمع لا تساعد على قبول الثقافات المتعددة، ذلك القبول الذي يسمح بالرأي والرأي الآخر، وباحترام الآخر الثقافي من منطلق إنساني.