في جزءٍ غالٍ من غربي الجغرافيا العربية هو ليبيا، التاريخ يعيد نفسه على ما يبدو برغبة جامحة هذه المرة وبشعارات جديدة، خلافا لما كان يتوقع له السابقون، من أنه غالباً ما يعيد نفسه في شكلين، عودته المتجددة هذه المرة وهي واضحة الملامح نقول إنه يعود في مزيج من الأمني والسياسي والعسكري في لبوس إنسانيٍ غامض، متخذاً البحر طريقاً إلى الثروة، بشعار مرفوع هو (الهجرة غير الشرعيّة) التي اقتربت المسوغات الأوروبية من أن تدفع بها نحو اعتبارها صنو الإرهاب أو في قائمته، بعدما تعطلت آليات الإدماج المجتمعي في القارة العجوز. ووضع (الهجرة غير المشروعة) في قائمة الإرهاب خطوة مانعة لمناقشة تجليس المصطلح وإعادته إلى مسماه ودلالته السليمين؛ فالهجرة ليست إرهاباً ولم تكن يوماً كذلك، إذ منذ أن وجدت الدول الحديثة وترسخت مؤسساتها بعد الحربين الكونيتين، والناس تهاجر من مكان إلى آخر طوعاً أو كرهاً، لأسباب مختلفة من بينها الاقتصادي والسياسي أو من أجل ممارسة حقوقها الإنسانية، ورغم أننا كتبنا في هذا المكان، أنه لا وجود لمصطلح (الهجرة غير الشرعية) في كافة الاتفاقات الدولية التي كفلت حقوق المهاجرين وأسرهم وجرى توقيع دول العالم عليها في الفترة ما بين 1945-1950، وبينّا أن المصطلح المذكور صكته الصحافة الأميركية وأطلقته في العالم، وفيه تحريف متعمّد للمصطلح الأساس وهو (الهجرة غير المنظمة)، وأن المصطلحين مختلفين في المعنى والدلالة؛ فكلمة (لا شرعيّة) تتضمن إدانة مضمّرة لعملية الهجرة، إضافة إلى نفيها الصفة القانونية عنها، بينما كلمة (غير المنظمة) في المصطلح الأساس، تثبت ممارسة الهجرة كحق إنساني لأي شخص، يمارسه متى شاء وفقاً للأنظمة المرعية والإجراءات الضابطة. وخروجاً من المصطلح واللغة وتوظيفاتها السياسية إلى صلب الموضوع، إطلاق تهديدات للاستعمار الجديد من البحر لبلدان شمال أفريقيا العربية، وتحديداً ليبيا التي اقتربت من انتصارها على الإرهاب.. تهديدات تتمثل في عمل منصات بحرية أو على اليابسة، لحجز المهاجرين القادمين من أفريقيا، وهي توصيات المؤتمر الأوروبي الذي عقد في بروكسل الخميس الماضي، وحظيت برفض مطلق من كافة الدول الشاطئية العربية، بينها مصر وليبيا والجزائر والمغرب، ليس لأنها لم تدع إلى المشاركة في هذا المؤتمر وهي دول معنية، بل كون هذه المنصات الأوروبية مهينة للإنسان، وتذكر بمعسكرات الاحتجاز العنصرية عرقياً وطبقياً في الحقبة النازية المظلمة. ويستغرب المرء كيف أن الدول الأوروبية تذهب إلى الحل الأسهل لمشكلة الهجرة غير المنظّمة، بينما الحل الأسلم ماثل أمامها ويعد حلاً جذرياً، يتمثل في دعم الدول الأفريقية المصدّرة للهجرة، عبر تأسيس مشروعات تنموية تسهم في توفير الوظائف، وخفض البطالة، ورفع مستوى المعيشة، وإصلاح التعليم، وبناء نظام صحي يقضي على الأوبئة، ومساعدة الاتحاد الأفريقي على بناء السوق الأفريقية المشتركة، وبناء جيش أفريقي موحّد لمحاربة الإرهاب. لو فكر الأوروبيون على هذا النحو، لوجدوا أن التكلفة المالية لهذا التوجه أرخص بكثير من فاتورة إنشاء منصات ومعسكرات احتجاز التي ستكون وصمة عار أكثر منها دلالة فشل.