تمر كشمير بوقت عصيب يعاني فيه الشباب الكشميري من خيبة الأمل والإحباط. والعنف يتصاعد ويتصاعد معه الغضب من قوات الأمن الهندية بعد وقوع حوادث استخدم فيها أفراد الجيش الهندي رجلاً كشميرياً كدرع بشري، وبعد استخدام مثير للجدل لطلقات الخرطوش ضد المحتجين. وفي ظل هذه الظروف الصعبة، أنهى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وزعيم حزب بهاراتيا جاناتا تحالفاً مضطرباً لحكومته في الولاية، بينما دخل حزب سياسي كشميري إقليمي بالولاية في حالة من عدم اليقين. ويتكون الجانب الهندي من كشمير من منطقتين جغرافيتين. المنطقة السفلى هي سهول تسمى جامو وغالبية سكانها من الهندوس، والمنطقة العليا وهي جبال مرتفعة ووادي جميل يطلق عليها كشمير وغالبية سكانها من المسلمين. ولهذا يطلق على الجانب الهندي من منطقة كشمير ولاية جامو وكشمير. والجدير بالذكر أنه في انتخابات 2014، حصد «حزب الشعب الديمقراطي» الكشميري الإقليمي 28 مقعداً في الجمعية التشريعية في منطقة كشمير ذات الأغلبية المسلمة، بينما حصد حزب «بهاراتيا جاناتا» 25 مقعداً في منطقة جامو ذات الأغلبية الهندوسية. وقرر الجانبان تشكيل ائتلاف لحكم الولاية لأن أياً من الحزبين لم يحقق أغلبية حاسمة. وحين تم تشكيل حكومة ائتلافية، كان من الواضح أن الائتلاف لن يدوم طويلاً بسبب التفاوت الكبير في أيديولوجيتي الحزبين. فجذور حزب بهاراتيا جاناتا تضرب بعمق في القومية الهندوسية والحزب يؤمن باتباع سياسة القوة لقمع المعارضة والتوجهات الانفصالية في الولاية. أما حزب «الشعب الديمقراطي» فهو حزب إقليمي يمثلُ المسلمين الكشميريين ويؤمنُ بالتواصل مع الشباب الكشميريين لإقناعهم بالامتناع عن الدعوة للانفصال. ولذا، حين تحالف هذان الطرفان المتناقضان من أجل المنفعة السياسية كان من المتوقع ألا يدوم التحالف طويلاً. وانهار الائتلاف الحكومي، كما كان متوقعاً، الأسبوع الماضي، حين قرر حزب بهاراتيا جاناتا من جانب واحد الانسحاب من الائتلاف. وأشار حزب بهاراتيا جاناتا إلى أن السبب في الخروج من الائتلاف هو تدهور وضع القانون والنظام في كشمير. لكن السبب الحقيقي هو أن الحزب القومي اليميني يستعد الآن للانتخابات العامة في عام 2019. وقصد الحزب بانسحابه أن ينقل إشارة تسعد قلوب القاعدة الأساسية من مؤيديه من الهندوس القوميين الذين كانوا غير راضين عن الائتلاف مع الحزب السياسي الكشميري. ويبدو أن بهاراتيا جاناتا قد قرر تقليص خسائره المتراكمة بسبب قرار التحالف مع حزب سياسي إسلامي كشميري والعودة إلى قاعدة مؤيديه الأساسيين استعداداً لانتخابات عام 2019. كما يبعث قرار بهاراتيا جاناتا برسالة مفادها أن الحزب لا يزال يؤمن بالقومية الهندوسية وباتباع سياسة أشد صرامة في كشمير. أما الحزب السياسي الكشميري الإقليمي، فإن زعيمته السيدة «محبوبة مفتي»، فيتعين عليها حالياً أن توضح للكشميريين أسباب دخولها في تحالف مع القوميين الهندوس وأسباب تدهور الأمور إلى هذا الحد. ويذكرنا الوضع الحالي في كشمير بأيام ذروة الأعمال المسلحة. صحيح أنه كان هناك دوماً غضب تجاه حكومة المركز في نيودلهي وبسبب الشعور بالعزلة عن بقية البلاد، لكن الوضع تفاقم في السنوات الثلاث الماضية. وتشهد كشمير، التي تقع في قلب الصراع بين الهند وباكستان، تدهوراً سريعاً في أوضاع القانون والنظام منذ مقتل الانفصالي «برهان واني» في مواجهة مع قوات الأمن الهندية في عام 2015. ولم يتورط برهان واني نفسه في أي عمل من أعمال القتل أو الإرهاب، لكنه كان يتواصل مع عدد كبير من الكشميريين الشباب من خلال مواقع التواصل الاجتماعي. وأدى مقتل واني إلى موجة من الاحتجاجات العنيفة التي قوبلت بحملة مشددة من الجيش الهندي. ومنذئذ، يتصاعد الغضب بين الشباب في كشمير الذين لجأ عدد كبير منهم إلى رشق أفراد الجيش بالحجارة دون وجود بادرة تدل على انتهاء دائرة العنف. واتضح أن سياسة القوة التي يتبعها الجيش الهندي قد أدت إلى نتائج عكسية لأنها ساهمت في إذكاء الغضب بين سكان كشمير وشعورهم بالعزلة. وفي وقت سابق من هذا الشهر، قُتل الصحفي الكشميري شجاعت بخاري الذي كان يحظى باحترام كبير، أثناء مغادرته مكتبه في العاصمة الكشميرية سريناجار، مما ساهم في احتقان الأجواء في كشمير. وكان بخاري معروفاً باعتداله. وقد جاء مقتله في أعقاب تقرير صدر عن الأمم المتحدة في الآونة الأخيرة طالب بإجراء تحقيق دولي في اتهامات تتعلق بانتهاك حقوق الإنسان. واستنكرت الحكومة الهندية التقرير ووصفته بأنه تجميع انتقائي لمعلومات غير مؤكدة إلى حد كبير بهدف الترويج لرواية زائفة للأوضاع وتشويه الحقيقة. وأشار التقرير إلى هشاشة الأوضاع في كشمير. ومن الواضح أن سياسة القوة التي يتبعها الجيش فشلت في كشمير وحان الوقت لفتح باب الحوار مع أصحاب المصالح المختلفين، حتى نرى كيف يمكن أن تستقر الأوضاع على الأرض. د.ذِكْر الرحمن* ــ ــ ـ ـ ــــ *رئيس مركز الدراسات الإسلامية- نيودلهي