تشهد التجربة الديمقراطية الوليدة (نسبياً) في الكويت محاولات جادة من بعض نواب مجلس الأمة لابتلاع الدولة وإخضاعها لمعايير وقيم الأحزاب الدينية ومصالح القبائل على حساب الشعب ومصالح الدولة العليا. فقد شهدت الساحة الكويتية مؤخراً خلافاً نيابياً حكومياً حول إصرار وزير التربية والتعليم العالي على وضع شروط اختبار «الآيلتس» (اختبار اللغة إنجليزية الممهد لدخول الجامعات الأنجلوفونية) لابتعاث الطلبة للدراسة في الخارج. 22 من نواب مجلس الأمة الكويتي المكون من 50 نائباً اعترضوا على قرار الوزارة وأيدوا وثيقة صادرة من الاتحاد الوطني لطلبة الكويت (فرع الولايات المتحدة) تدعو إلى إلغاء شرط اختبار الآيلتس. وجاء اعتراض النواب على القرار من منطلق أن المقصود من هذا القرار هم طلبة المدارس الحكومية وأبناء القبائل حصرياً. النائب «راكان النصف» أكد بأن أبناء القبائل هم أبناء الكويت أولاً وأخيراً واستخدام هذه المصطلحات وإقحامهم في خلاف بالرأي بين النواب يمثل أسوأ صورة للعمل البرلماني، داعياً النواب إلى وقف الانحراف بالنقاش وإلى التركيز على القضية التعليمية. النائب أحمد الفضل أيد إجراءات الوزير مستغرباً إعلان 22 نائباً وقوفهم ضد القرار، مشيراً إلى أن ذلك يعبر عن رغبة النواب في البحث عن رضا مجموعة من أولياء أمور الطلبة لمصالح انتخابية. المحكمة الإدارية حكمت لصالح الحكومة، واعتبرت قرار وزير التربية قراراً قانونياً وليس فيه مخالفة للدستور. والسؤال الذي يتحتم طرحه هنا هو: لماذا عادت المفاهيم القبلية والطائفية للكويت بعد التجربة الديمقراطية التي مرّ عليها أكثر من نصف قرن؟ وما هي الأسباب والدوافع وراء إثارة الخلافات الجانبية؟ وماذا حصل للدولة المدنية التي أساسها حكم القانون والدستور؟ معظم الدول في الخليج تغلب عليها البنية العشائرية، وقد كرس معظم هذه الدول التركيبة العشائرية ولم تحدث محاولات جادة للحد منها، لذلك فالقبيلة في الخليج تمثل جزءاً من الدولة، وهما تترابطان ترابطاً ملحوظاً. لقد ساهمت الدولة في الكويت في ترسيخ التضامنات القبلية والطائفية بدلاً من تعزيز المجتمع المدني الحديث، وذلك من خلال تجميع كل قبيلة أو طائفة في منطقة أو محافظة أو دائرة انتخابية معينة ضمن المشاريع الإسكانية، والهدف من ذلك هو الحفاظ على الكيان الاجتماعي، القبلي والطائفي، لأغراض انتخابية.. وأملاً في أن يقف نواب القبائل مع الحكومة خلال التصويت في مجلس الأمة. الانتخابات السياسية في الكويت عززت فيها دور الفرد، بما في ذلك الفرد القبلي، فصوتٌ لكل ناخب أمر يعزز مرشحي العشائر والبطون ذات الأكثرية داخل القبيلة ككيان قائم على أساس الأصل والمكانة الاجتماعية. لكن لماذا يقدم نوابٌ بعضهم يحمل الدكتوراه على تعزيز دور القبيلة؟ هل يرون في أنفسهم سمات سياسية تختلف عن المحتوى العام للمجتمع، وأن مستوى التطور والحداثة في المجتمع ما زال غير مؤثر في العلاقة الاندماجية بين مكونات المجتمع؟ لم تنجح كافة المحاولات التي قامت بها منظمات المجتمع المدني في تطوير تلك العلاقة نحو الاندماج، رغم حقيقة أن الإسلام جاء بمفهوم الأمة كتعبير عن الهوية الجماعية لتحل محل القبيلة، إلا أن القبائل العربية حافظت باستمرار على تكويناتها السلطوية لتظل على ما كانت عليه.