لاحظت في المؤتمرات الدولية المختلفة التي تجمع عرباً وإسرائيليين أن العرب يركزون على الجولة الرابعة، أي حرب أكتوبر 1973، بينما يُركّز الإسرائيليون ومؤيدوهم على الجولة الثالثة، أي حرب يونيو 1967. والسبب أن كل معسكر يختار الجولة التي أبلى فيها بلاء حسناً. فمثلاً تميزت حرب أكتوبر بتحطيم أسطورة خط بارليف الذي أعلنت إسرائيل مراراً أنه لا يُقهر، كما أظهرت عن طريق المقاطعة البترولية قوة العرب الاقتصادية، وأهمية التنسيق بين أسلحتهم المختلفة. لكن بما أننا في شهر يونيو حالياً، فإن هذا المقال سيُركّز على الجولة الثالثة: فماذا نتعلم من هذه الجولة؟ من لا يتعلم من تجارب التاريخ، يكرر أخطاءه، فحتى قبل الحرب الفعلية، كانت هناك فجوة كبيرة بين الجانبين، الفجوة لم تكن في السلاح والبشر، حيث كان هناك تفوق عربي، على الأقل نظرياً، بل كانت في الإعداد، خاصة في التخطيط من الجانب الإسرائيلي والارتجال من الجانب العربي. فقد قامت إسرائيل بأكثر من حركة استفزازية عبر إرسال طائراتها فوق سوريا، ثم إسقاط أعداد متزايدة من الطائرات السورية التي تحاول الدفاع عن مجالها الجوي. في الحرب الباردة والانقسام العربي في حينه، وقع عبدالناصر في فخ «المعايرة» من طرف بعض العواصم التي قالت إنه يتكلم كثيراً ولا يستطيع الدفاع عن أشقائه العرب، حتى هؤلاء الذين ينتمون لمعسكره الثوري، مثل سوريا البعثية. قام عبدالناصر بتعبئة الجيش، وطالبت مصر بسحب القوات الدولية التي تفصل بينها وبين إسرائيل، ولا نعرف حتى الآن ملابسات عديدة عن اتخاذ هذا القرار الخطير، ثم قامت القاهرة في مايو بإغلاق مضيق تيران الذي أعلنت إسرائيل مراراً أن إغلاقه سيكون سبباً للحرب، أي أن الحرب قادمة ويجب الاستعداد لها. شعر عبدالناصر في بداية يونيو أن قيادة جيشه مع صديقه عبدالحكيم عامر ورفاقه قد لا تكون على المستوى المطلوب، كما أن نصف هذا الجيش مشغول في حرب دامية ومنهكة في اليمن. حاول جاهداً التحول من ميدان الحرب إلى ميدان السياسة، وكان أحد رفاقه الموثوق بهم -زكريا محيي الدين- على وشك الذهاب إلى واشنطن يوم 5 يونيو، وهو اليوم الذي بادرت فيه القوات الإسرائيلية بالهجوم لمنع أي مبادرة سياسية قد يجد فيها عبدالناصر وسيلة للخروج من الورطة العسكرية. ففي صباح ذلك اليوم هاجم الطيران الإسرائيلي المطارات، بينما كان الطيارون يتناولون إفطارهم، وأكثر من ذلك كانت القيادة العسكرية -ربما فيها المشير عامر- في الجو لتفقد القوات. وبالتالي لم يكن هناك فراغ فقط في التواصل وإرسال الأوامر، ولكن قوات الدفاع الجوي المصري ترددت في إطلاق قذائفها خشية إصابة طائرة المشير. كانت السماء خالية وصافية حيث دمر الطيران الإسرائيلي معظم الطائرات المصرية (والسورية) وهي جاثمة على الأرض. لذلك سُمّيت حرب الساعات الست وليس فقط حرب الأيام الستة. استولت إسرائيل بغزوها الأراضي العربية على أضعاف مساحتها، بما في ذلك الجولان السوري والضفة الغربية والقدس الشرقية، وكان بإمكان القوات الوصول إلى دمشق والقاهرة، واضطر عبدالناصر فعلاً للتنازل عن قواته من الحرس الجمهوري وإرسالها إلى منطقة القناة للدفاع عن القاهرة. توقفت القوات الإسرائيلية على الضفة الشرقية للقناة وشيّدت خط بارليف المنيع، لكن قامت القوات المصرية في أكتوبر 1973 باختراقه وتحطيمه، وكان هذا أول مؤشر على أن هذه الحرب الرابعة ستكون مختلفة عن الحرب الثالثة. اليوم، وبعد 41 عاماً على تلك الحرب، نتمنى الاستفادة من دروسها حتى لا تتكرر.