من منظور السلطة الرئاسية، يقدم قرار الرئيس دونالد ترامب الانسحاب من صفقة إيران النووية القليل من الدعم فيما يبدو والقليل إلى حد ما من المخاطر. والإجراء لا يلبي أي مطالب مهمة لائتلاف ترامب. لكن ما المشكلة في ترك الصفقة كما هي فيما يتعلق بالنفوذ الرئاسي؟ لا مشكلة فعلياً، على المستوى الجماهيري. فالناخبون لا يبالون عادة بالسياسة الخارجية والأمن القومي مع استثناء الأزمات في الخارج التي قد تؤدي إلى مستويات تأييد قصيرة الأمد لمبدأ «الالتفاف حول العَلَم» مع تأثيرات قليلة طويلة الأمد إن وجدت، وباستثناء الحروب التي تحصد عددا كبيرا من الأرواح وهي الحروب التي لا تحظى بشعبية غالبا خاصة حين يطول أمدها، فليس من المرجح أن يبالي كثير من الناخبين بطريقة أو بأخرى في الواقع، ما لم يكن ترامب يعتزم حقا تكليف القوات المسلحة بقتال من أجل تغيير النظام الإيراني. وتغطية القرار صحفياً قد تقلص أو توسع شعبية ترامب قليلا لبضعة أيام، لكن هذا كل ما في الأمر. صحيح أن الخروج من صفقة إيران كان جيدا لترامب لأنه يصوره باعتباره قريب الصلة بإسرائيل. وهذا لا يعني أن أقوى أنصاره كانوا سيعاقبونه على البقاء في الاتفاق، تماما كما لم يعاقبوه أيضا حين لم يدشن جداراً حدودياً ويجبر المكسيك على تغطية كلفته. لكن ترامب ينأى بنفسه عن التعرض للوم إذا أصبحت إيران دولة نووية أثناء وجوده في الرئاسة. وهذا لن يكلفه كثيراً في الرأي العام لكن لا أحد يعلم. وقد يقع حاليا في حيرة الاختيار بين عمل عسكري من المحتمل ألا يحظى بتأييد شعبي وإحجام عن ذلك وهو من المحتمل ألا يكون شعبيا أيضا. وهذا ليس موقفاً جيداً لرئيس. ولو كان ترامب أبقى على الاتفاق لتم توزيع اللوم على نطاق واسع حين تصبح إيران دولة نووية. وعلى مستوى الصفوة، يسعد ترامب بتصرفه هذا الجماعة الصغيرة نسبياً من «الجمهوريين» المتشددين تجاه إيران. فما كان يستطيع أن يسعدهم إلا بإبعاد «الجمهوريين» المعتدلين في السياسة الخارجية ومعظم الخبراء المحايدين والحلفاء الأوروبيين. والمهم أن الخروج من الاتفاق ليس إلا الخطوة الأولى فحسب لمن عارضوه في الأساس، وأرادوا زعزعة استقرار النظام الحاكم، وليس فقط منعه من أن يصبح نووياً. وما لم تقم ثورة ديمقراطية إيرانية ناجحة نشأت محلياً وتقيم نظاماً مستقراً وصديقا للولايات المتحدة، وهو أمر لا يتصور أحد حدوثه، فإن المتشددين في إيران سيكون أمامهم المزيد من العمل. وبصفة أكثر عمومية، فإن الانسحاب من صفقة إيران يمثل منطقة بوسع ترامب العمل فيها منفرداً. لكن كما جادل «ريتشارد نيوستات»، أستاذ العلوم السياسية الأميركي الراحل، فإن الحكم بمرسوم، حتى حين يكون ممكنا، يظل مكلفاً للرؤساء بشكل مباشر أو غير مباشر. وفيما يتعلق بالجانب المباشر، فإن ترامب يريد إعادة فرض عقوبات مشددة على إيران، وكي تجدي العقوبات نفعا يتعين أن تنضم إليها دول أخرى. لكن من غير المرجح فيما يبدو أن تؤيد هذا القرار أوروبا، ناهيكم عن روسيا أو الصين. والواقع أن الحلفاء الأوروبيين القلقين سيجعلون من الصعب على ترامب تحقيق طموحاته في التوصل إلى صفقات تجارية أفضل. وهذا ليس الاتفاق الوحيد الذي يحاول ترامب إلغاءه. وتمثل صفقة الإلغاء التي أرسلها ترامب إلى الكونجرس لتقليص الإنفاق محاولة لتجاوز صفقة بشأن الميزانية اتفق عليها «جمهوريون» و«ديمقراطيون» ووقعها ترامب قبل بضعة شهور فحسب. لكن التقليص الذي طرحه ترامب سيجري التصدي له على الأرجح. جوناثان بيرنشتاين: كاتب سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»