أعلنت حكومة كوريا الجنوبية الأسبوع الماضي أنها ستبدأ العمل على إبرام معاهدة سلام رسمية مع كوريا الشمالية، وأطلق البعض على هذا المسعى مصطلح«سياسة الشمس الساطعة». وكانت الحرب بين الكوريتين قد انتهت عام 1953 بعقد هدنة مؤقتة في الوقت الذي كان فيه السياسيون الكوريون الجنوبيون يطالبون بإبرام اتفاقية للسلام الدائم. وليس من الواقعية في شيء أن نأمل الآن من رئيس كوريا الشمالية «كيم جونج أون» أن يتكرم بمنح نعمة السلام الحقيقي والمستدام للجنوب لأن ذلك لا يعدو أن يكون ضرباً من الأوهام. وإذا كان من الصواب الآن القياس على ما حدث في الماضي، فربما لا يقدم الشمال للجنوب إلا بعض الكلام المنمّق الفارغ الذي لا يُلزم أي طرف بأي بشيء. وإذا وافق الجنوب على القبول بهذا السلام، فسوف يُعرّض نفسه للمزيد من الممارسات الابتزازية من حكومة بيونج يانج، ليس على مستوى السياسات الوطنية فحسب، بل على مستوى تحالفه مع الولايات المتحدة أيضاً. ودعنا نشرح الأمر بوضوح أكثر لنشير أولاً إلى أن أي معاهدة سلام بين بلدين هي قبل كل شيء «وثيقة قانونية» تتطلب من دولة ذات سيادة أن تعترف بسيادة واستقلال الدولة الثانية وحقها في الوجود. (ونتذكر في هذا الصدد اتفاقية كامب ديفيد لعام 1978 التي قبل مصر بموجبها الاعتراف بدولة إسرائيل). ومن المعروف أن كوريا الشمالية لا يمكن أن تلتزم بمثل هذا الاعتراف لكوريا الجنوبية لأن أسرة «كيم» كانت ولا تزال تدعو إلى مسح دولة كوريا الجنوبية من على سطح الأرض. وهذا هو الهدف الأساسي الذي دفع كوريا الشمالية لشن هجومها المفاجئ الواسع النطاق على كوريا الجنوبية في شهر يونيو من عام 1950 لتشعل بذلك أوار الحرب الكورية. وبقي هذا الهدف يشكل المحور الأساسي للسياسة الخارجية لكوريا الشمالية منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بين البلدين عام 1953، وحيث كانت ولا زالت حتى الآن، ترى أن ذلك الصراع لم ينتهِ بعد، وهي تعتقد بأن تحقيقه هو واجب أساسي تفرضه واجبات الحفاظ على مقومات الهوية الوطنية للدولة وتكرسه التعاليم الدستورية والأيديولوجية لحكومة بيونج يانج. ويعرّف دستور 1980 الذي وضعه حزب العمال الحاكم في كوريا الشمالية «مهمته الأساسية» بتحقيق «التحرير الوطني وفرض الديمقراطية الشعبية في مناطق الدولة برمتها». وهذا يعني أن الهدف يشمل شبه الجزيرة الكورية كلها. وجاء في بند آخر من الدستور ذاته الإعلان الصريح عن أن «إعادة توحيد الوطن» هي المهمة الوطنية العليا. ووجه تعليماته للحكومة بتنكّب النهج الثوري لتكريس «نظام جوتش» Juche Doctrine الذي يهدف إلى تمجيد فكرة توحيد الشعب الكوري تحت مظلة «الدولة الاشتراكية المستقلة» التي تقودها بيونج يانج. وبناء على هذا، يمكن القول إن قبول كوريا الشمالية بإنهاء صراعها مع الجنوب، والقبول بكوريا الجنوبية باعتبارها تمثل حكومة موازية في شبه الجزيرة الكورية، سوف يعني إلغاء كل الأسس «الشرعية» التي قام على أساسها حكم أسرة «كيم» خلال الأجيال الثلاثة الماضية. وسوف يطرح هذا القرار تساؤلات مهمة مثل: لماذا ستحتاج كوريا الشمالية للقوة بعد ذلك؟ وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه الرئيس ميخائيل جورباتشوف وأدى إلى انهيار الاتحاد السوفييتي. وهكذا فإن الشمال، بدلاً من أن يُلزم نفسه بمعاهدة سلام مع الجنوب، فإن من المرجّح أن يكرر ما فعله في اجتماعات سابقة ليحقق أهدافاً سياسية دعائية من خلال التوقيع على بيانات رسمية مشتركة غير ملزمة لأي من الطرفين على الإطلاق. ولسيؤول وبيونج يونج تاريخ طويل من مثل هذه المفارقات. ففي عام 1992 تم توقيع اتفاقية المصالحة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاون بين الجنوب والشمال والإعلان المشترك على نزع الأسلحة النووية من شبه القارة الكورية. وبعد انتهاء القمة التاريخية التي جمعت بين رئيسي الدولتين عام 2000، صدر عنها بيان مشترك أكد من خلاله رئيس كوريا الجنوبية في ذلك الوقت «كيم داي جونج» على أن «كوريا الشمالية لن تعمل بعد الآن على إشعال أي حرب جديدة، ولن تسعى بعد الآن إلى إعادة توحيد الكوريتين بالقوة، وأن كوريا الجنوبية لن نقوم من جانبها بأي عمل يمكن أن يضرّ بمصالح كوريا الشمالية». وفي شهر أكتوبر 2007، صدر عن الدولتين ما عُرف باسم «إعلان السلام»، وهو اتفاقية من 8 بنود وقعها الرئيس الكوري الشمالي «كيم جونج الثاني» والجنوبي «روه مو هيون» جاء فيها: «تشعر كل من دولتي الجنوب والشمال بالحاجة لإنهاء نظام الهدنة الراهن واستبداله بنظام للسلام المستدام». وللأسف الشديد، تتظاهر كوريا الشمالية الآن بأنها راغبة في ابتلاع الطعم مرة أخرى. وأعلن الرئيس ترامب من جهته عن «مباركته» لهذه المحادثات. وإذا كانت كوريا الشمالية عدو مخيف بالفعل، فإن علينا ألا نتظاهر بالعمل الدبلوماسي معها على الإطلاق. نيكولاس إيبيرشتات: كاتب أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»