كان صقور التجارة الأميركية يأملون في أن يجدوا لحم طير مما يشتهون في خطاب الرئيس الصيني «شي جينبينج» يوم الثلاثاء الماضي في منتدى «بواو»، لكنهم لم يجدوا سوى بقايا طعام تقيم صلبهم! والمقترحات الأربع الرئيسة في خطاب «شي»، والتي تتضمن خططاً لتأسيس مشاريع مشتركة للخدمات المالية والسيارات، وتقليص القيود على الاستثمار الأجنبي، وتعزيز سبل حماية الملكية الفكرية، وتوسيع نطاق الواردات، كانت تمضي بالفعل بصورة جيدة قبل أن يبدأ الرئيس دونالد ترامب فرض رسوم جمركية على التجارة. النبرة التصالحية العامة وبعض التفاصيل الغامضة تشي بالتوجه نحو تخفيف مستوى التوترات الراهن، لكن الشرور تكمن في التفاصيل! والعرض الأبرز الذي قدمه الرئيس الصيني هو تخفيض الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة، وهي خطوة يبدو أنها ردّ مباشر على تغريدة ترامب في الليلة السابقة، والتي أكد فيها أن الإجراءات التي اتخذها من المستبعد أن تكون المنحة الأخيرة لديتريوت، عاصمة صناعة السيارات في الولايات المتحدة. وتستورد الصين أكثر من مليون سيارة إلى سوقها الذي يستوعب سنوياً أكثر من 20 مليون سيارة. ومعظم وارداتها من السيارات الفارهة متعددة الاستعمالات ذات الصناعة الألمانية. ويشير محللو «نوميورا هولدينجز» أن «جنرال موتورز» و«فورد» و«فيات كريسلر» صدرت ما يتراوح بين 50 و60 ألف سيارة من الولايات المتحدة إلى الصين العام الماضي، بقيمة تناهز ملياري دولار، في مقابل أكثر من 150 ألف سيارة فاخرة متعددة الاستعمالات من «بي إم دبليو» و«دايملر» تم تصديرها من مصانعها في الولايات المتحدة. غير أن تصنيع السيارات في الصين أرخص منه في أميركا الشمالية، لذا فإن المستفيدين الوحيدين من خفض الرسوم الجمركية على الواردات الصينية هم مصنّعو السيارات الفاخرة التي تعتبر صادراتها بأعداد كبيرة كافية لتبرير التصنيع المحلي. وبعيداً عن التكلفة، أضحت الصين أولوية كبرى لإيرادات شركات صناعة السيارات الأميركية. ولكي تعمل في أكبر سوق للسيارات في العالم، وتجني الأرباح المغرية التي لا يمكن تحقيقها في أي مكان آخر، بات على هذه الشركات أن تستجيب لرغبة بكين، وقد بدأت بالفعل تلك الشركات انتهاج سياسات محببة إلى قلب «شي»، مثل تصنيع السيارات الكهربائية. والتغييرات على السياسات الصينية بشأن خفض سقف نسب الملكية في المشاريع المشتركة لتصنيع السيارات قيد الدراسة منذ خمس سنوات على الأقل، وتم ترسيخها في مستند للتخطيط الاقتصادي قبل 12 شهراً. وينطبق ذلك أيضاً على بيان «شي» بشأن فتح قطاع الخدمات المالية، وهو ما يتسق مع السياسات المعلنة في نوفمبر الماضي. وبالمثل، تعهده بشأن تقليص عدد الصناعات التي توجد عليها قيود استثمار أجنبي. ورغم أن خطاب «شي» معاد صياغته، فإنه انطوى على تصريحات جيدة بدرجة كافية ربما تغري واشنطن لإعلان الانتصار والتراجع عن التصعيد، وهي أفضل نتيجة ممكنة من التوترات التجارية الراهنة. وتحول الصين إلى اقتصاد الطبقة المتوسطة يجعلها أكثر انفتاحاً على الأسواق الحرة بفعل عملية التطور الطبيعية، مثلما ساعد صعود المجتمع الاستهلاكي في منتصف القرن العشرين الولايات المتحدة على التخلي عن قرن من الحمائية، ومن ثم أضحت حجر زاوية في نظام اقتصادي عالمي متعدد. وإذا كان «شي» قد عرض في خطابه ما يكفي لإنقاذ ماء الوجه، فمن يأبه إذا كان فيه «لحم طير» أم «بقايا تقيم الصلب»؟ ديفيد فيكلينج وأنجاني تريفيدي *كاتبان أميركيان يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»