ربما تحتل حرب العقوبات التجارية المتبادلة بين الولايات المتحدة والصين العناوين الرئيسية وتعصف بأسواق المال، بيد أن بعض نوبات الاحتدام الأخيرة والأقل وضوحا بين أكبر قوتين بارزتين في العالم ربما تمثل تعقيدات دائمة ومحفوفة بالمخاطر لصناع السياسة الأميركيين. وقد أوضحت استراتيجيات إدارة دونالد ترامب الجديدة للدفاع الوطني والأمن القومي أن واشنطن بلا جدال لديها نظرة أكثر تشاؤماً بشأن علاقتها المستقبلية مع الصين. لسنوات، كانت الولايات المتحدة تُركز على احتمال أن تندمج الصين بشكل أكثر فعالية في النظام الدولي، وهي الآن تستعد للعودة إلى منافسة القوى العظمى للقرن العشرين. ومن المؤكد أن المسؤولين الصينيين، الذين يمضون وقتا طويلا في إمعان النظر في وثائق الاستراتيجية الأميركية أكثر مما يفعل معظم الأميركيين، قد فسروا هذا التحول بأنه تراجع في العلاقات، وإعداد لصراع عسكري، وتأكيد لاعتقادهم الراسخ بأن الولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف صعود الصين والحد من نفوذها العالمي. وفي الوقت نفسه، وردا على تأكيد الذات العسكري والدبلوماسي المتزايد للصين في بحر الصين الجنوبي، تقوم البحرية الأميركية تدريجيا بجعل عمليات حرية الملاحة في جزر سبارتلي أمرا روتينيا –حيث تجري عملية كل شهرين أو نحو ذلك منذ أوائل عام 2017. وفي أواخر شهر مارس، أجرت البحرية -وأعلنت ذلك -عملية طموحة بشكل ملحوظ بالقرب من الشعاب المرجانية التي تحتلها الصين، بهدف الإشارة إلى أن الولايات المتحدة تعتبر الشعاب المرجانية تلا منخفضا تنحسر عنه المياه وليس جزيرة حقيقية، في تحد لادعاء الصين السيادة. وربما تكون الصين قد استاءت عندما قامت ناقلة الطائرات «كارل فينسون» الشهر الماضي بزيارة مطار دا نانج -في أول رحلة لحاملة طائرات أميركية لفيتنام منذ عام 1975. وردا على ذلك، أدانت وزارة الدفاع الصينية عملية الشعاب المرجانية باعتبارها «استفزازا عسكريا خطيرا»، وبعد ذلك بوقت قصير أجرت مناورات بحرية كبيرة خاصة بها، والتي تضمنت 40 سفينة وحاملة طائرات، قبالة جزيرة هاينان على الساحل الجنوبي الشرقي للصين. وفي هذا الأسبوع، ندد مسؤولون أميركيون علانية بقيام الصين بتثبيت معدات لتشويش الرادار (مع تطبيقات عسكرية واضحة) على اثنتين من جزرها المبنية حديثا في سلسلة سبارتلي. ومع ذلك، ربما تكون أكثر التصرفات المغرضة التي قامت بها الصين لفظية وليست مادية. فخلال زيارته إلى موسكو هذا الشهر، أعلن وزير الدفاع الصيني الجديد الجنرال «وي فينج» أن «الجانب الصيني جاء إلى موسكو لإظهار للأميركيين العلاقات الوثيقة بين القوات المسلحة للصين وروسيا، وأننا جئنا لدعمكم». وليس الوضع أفضل حالاً على الجبهة الدبلوماسية. فبينما أذعنت الصين في الأشهر الأخيرة لضغط الولايات المتحدة ووافقت على تشديد العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية بسبب برامجها للأسلحة النووية، انتهز الرئيس «شي جين بينج» على ما يبدو الفرصة عندما أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه يعتزم مقابلة الديكتاتور الكوري الشمالي «كيم جونج أون» في ربيع هذا العام. ورد «شي» من خلال استضافة «كيم» في زيارة مفاجئة إلى بكين، والتي تعد أول رحلة خارجية للزعيم الكوري الشمالي منذ أن تولى السلطة. وكانت هذه إشارة واضحة على أن الصين ستكون في قلب أي نقاش حول مستقبل شبه الجزيرة الكورية. ومع ذلك، يبدو أن قضية تايوان هي أكثر ما أثار أعصاب الصين. ففي 16 مارس الماضي، وقع ترامب قانون السفر إلى تايوان، الذي يشجع زيادة الزيارات المتبادلة بين المسؤولين الأميركيين ونظرائهم على الجزيرة. وبعد ذلك بأيام قليلة، التقى «اليكس وونج»، نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شرق آسيا والمحيط الهادئ، مع الرئيس التايواني «تساي إنج-ون» خلال زيارة استمرت ثلاثة أيام. في الأوقات العادية، من المرجح ألا تكترث الصين بمثل هذه الزيارة، بيد أن هذا ليس عاماً عادياً في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. وقد ردت الصين من خلال وصف إجراء السفر بأنه انتهاكا لسياسة الصين الواحدة، وهي الإطار الدبلوماسي الذي عزز السلام في مضيق تايوان طيلة سبعة عقود. وربما تصبح الأمور أكثر سخونة في شهر يونيو، ومن المحتمل أن تنطوي على زيادة التدريبات البحرية الصينية، ربما عندما ترسل الولايات المتحدة مسؤولا بارزاً إلى «تايبيه» لافتتاح المقر الجديد للمعهد الأميركي في تايوان، الذي يعد السفارة الفعلية لواشنطن على الجزيرة. وكل هذا يتكشف في ظل خلفية مثيرة للقلق تتعلق بميزانية الدفاع المتزايدة باستمرار في الصين، والاستثمارات الطموحة في مجال البحث العلمي والتنمية، وما يطلق عليه مبادرة «حزام واحد وطريق واحد»، التي تهدف إلى إقامة شبكة تجارية مترامية ومركزها الصين تغطي العشرات من الدول في جميع أنحاء أوراسيا. ومن وجهة نظري، فإن هذا لا يعني أن الولايات المتحدة والصين عالقتان في فخ ومتجهتان إلى صراع عسكري لا مفر منه. لكنه يعني أن كبار المسؤولين في البلدين بحاجة إلى التفكير بعناية في المسار الحالي للعلاقة وتهدئة الأمور. وفي الواقع، فإن هذا سيكون وقتاً مناسباً لصناع السياسة في كلتا الدولتين للعمل معاً لتحديد المجالات المحتملة لتعزيز التعاون. وعلى سبيل المثال، وفيما يتعلق بكوريا الشمالية، فإن أفضل فرصة لإقناع كيم بتقديم تنازلات ذات مغزى في المحادثات القادمة، هي إذا استمرت واشنطن وبكين متعاونتين في ممارسة ضغوط اقتصادية، وفي إرسال رسالة قوية ومتوافقة ل«كيم» بشأن التخلص من برامج الأسلحة لديه في المستقبل. وهذا يتطلب التشاور والتنسيق الوثيق بين كبار المسؤولين في واشنطن وبكين في الأسابيع القادمة. وهناك أمر مؤكد بشأن هذه المحادثات – أن الكوريين الشماليين مفاوضون مهرة وسيستغلون أي فجوات في المواقف بين واشنطن وبكين للتوقف لفترة وتجنب تقديم تنازلات ملموسة. ولا تريد الصين ولا الولايات المتحدة هذا. وبالمثل، تشعر بكين بقلق متزايد حيال الإرهاب والعودة المحتملة لمئات المقاتلين الإيجوريين من سوريا بعد تدمير تنظيم «داعش». وقد يمثل هذا فرصة لمزيد من التعاون ضد الأهداف الإرهابية على مستوى العالم، ولكن على الأخص في الأجزاء العرضة للخطر في جنوب شرق آسيا حيث يبدو أن الجماعات المتطرفة المختلفة تكتسب موطئ قدم. إن التعاون في هذه القضايا وغيرها هو أفضل وسيلة لضمان ألا تتطور هذه السلسة الأخيرة من المنغصات الخطيرة والتي لا يزال من الممكن التحكم فيها إلى أزمة واسعة النطاق لا تريدها الولايات المتحدة ولا الصين ولكن أيضا لا تستطيع أي منهما منعها. *زميل في الاستخبارات الوطنية ب«مجلس العلاقات الخارجية الأميركي» ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»