في الوقت الذي تضج فيه وسائل الإعلام بين الحين والآخر بأخبار مثيرة عن أبحاث الخلايا الجذعية، أو جراحات نقل وزراعة الأعضاء، أو العلاج المناعي والطب الشخصي، نادراً ما تلقى مجالات وتخصصات طبية أخرى نفس القدر من الاهتمام، أو حتى جزء يسير منه، رغم أنها قد تكون على أقدر أكبر من الأهمية من الاختراقات في المجالات سابقة الذكر. أحد هذه التخصصات الطبية، هو مجال الصحة العامة (Public Health)، والذي يمكن تعريفه على أنه «العلم، والفن، المختصان بالوقاية من الأمراض، والمعنيان بإطالة متوسط العمر أو مؤمل الحياة، والهادفان إلى تحسين الصحة البشرية، من خلال جهود منظمة، واختيارات واضحة، من قبل المجتمع، والمنظمات والمؤسسات الخاصة والعامة، ومن قبل الأفراد والمجتمعات». ويعتمد تحقيق هذه الأهداف على تحليل وتدقيق (صحة المجتمع)، وتحديد وتعريف المخاطر التي تحيق بها. والمقصود بالصحة هنا، ليس فقط الخلو من المرض أو الإعاقة، بل التمتع بحالة صحية جيدة، في الجوانب النفسية، والجسدية، والعقلية، والاجتماعية من حياة الشخص. أما (المجتمع) المشار إليه، فقد يتكون عدد أفراده من بضعة أشخاص فقط، أو سكان قرية مثلاً، أو يصل لعدة دول ومناطق جغرافية تمتد عبر عدة قارات في نفس الوقت. وتعتمد الممارسات الحديثة في مجال الصحة العامة، على فريق طبي مهني مكون من تخصصات مختلفة، يعملون سوياً على تحقيق الأهداف المرجوة. وتتضمن هذه الممارسات العديد من البرامج المجتمعية، وحملات التثقيف الصحي، مثل برامج التطعيمات الطبية للأطفال منذ الولادة، والتثقيف بأهمية غسل اليدين كإجراء فعال في الوقاية من انتقال الأمراض المعدية، والتوعية بأهمية اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع الإصابة بالأمراض الجنسية، وحملات التوعية بضرورة الاعتماد على الرضاعة الطبيعية فقط خلال الشهور الأولى من العمر، بالإضافة إلى البرامج الهادفة إلى مجابهة الأمراض النفسية، ومنع الانتحار والذي يحتل مرتبة متقدمة على قائمة أسباب الوفيات بين بعض الفئات العمرية. ولن يتسع المقام هنا لذكر جميع الأنشطة والبرامج المندرجة تحت مجال الصحة العامة - برامج الصحة المدرسية مثلاً- وإن كان هذا المجال دائماً ما يتبع التطورات الطبية، ويستفيد من الاختراقات العلمية التي تحدث في المجالات التكنولوجية المختلفة. وربما أفضل مثال على ذلك، ما يعرف بمفهوم «الصحة العامة 2.5» والذي يشير إلى الأبحاث والدراسات التي تعتمد على بيانات وإحصائيات، يتم تجميعها من مواقع التواصل الاجتماعي، ومن محركات البحث على الإنترنت، بالإضافة إلى الهواتف الذكية، وغيرها من تقنيات الاتصالات الحديثة. وبالفعل تم طرح اقتراح تنفيذ دراسة إحصائية لتقدير تأثير وفعالية حملات التطعيم ضد فيروس الإنفلونزا في بريطانيا، بالاعتماد على المساهمة المباشرة من المشاركين في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن نتائج محركات البحث المشهورة. المجال الآخر الواعد بإحداث نقلة نوعية في مستقبل ممارسات الصحة العامة، ما يعرف بالجينوم المجتمعي أو جينوم الصحة العامة (Public Health Genomics). والجينوم هو مصطلح يستخدم للتعبير عن المعلومات الوراثية، أو مجمل التركيبة الجينية، الموجودة على 23 زوجاً من الأجسام الصبغية أو الكروموسومات، داخل نواة الخلية. فبداخل نواة الخلية، يوجد 23 زوجاً من الأجسام الصبغية، مكونة من تسلسل محدد من جزيئات من الحمض النووي الأميني، تشكل في مجملها شفرة التركيبة الوراثية للشخص. مثل هذه التركيبة الوراثية للفرد، يمكن جمعها لأفراد المجتمع كلهم، لخلق صورة متكاملة عن التركيبة الوراثية للمجتمع برمته. وهو ما يمكن أن يستخدم في فهم طبيعة الأمراض الوراثية التي تصيب مجتمعاً ما، ومدى قابليتهم للإصابة بأمراض معينة، في ظل الظروف البيئية التي يعيشون فيها، وبناء على طبيعة وكمية الغذاء، ونمط السلوك الشخصي وأسلوب الحياة الذي يتبعونه. حيث تتباين وتختلف التركيبة الوراثية بين أفراد الجنس البشري بعضهم بعضاً، وإنْ كانت درجة الاختلاف والتباين بين السبعة مليارات إنسان الذين يشكلون تعداد الجنس البشري حالياً، لا تزيد على 0.1 بالمئة. ولكن بالنظر إلى أن عدد جزيئات الحمض النووي المكون للجينوم البشري، يبلغ 6 مليارات زوج قاعدي، يمكن أن ندرك بسهولة أن مجرد 0.1 من الاختلاف في ترتيب جزيئات الحمض النووي، يترجم إلى ملايين من الاختلافات في التركيبة الوراثية، تظهر في النهاية في الاختلافات الجسمانية أو العضوية، وفي الاختلافات النفسية أو الشخصية. وهو ما يجب أن يؤخذ في الاعتبار عند تخطيط برامج الصحة العامة، كي تصبح تلك البرامج أكثر فعالية وكفاءة في تحقيق الأهداف المرجوة منها.