النظام القضائي الإسباني، بما يفرضه من حظر وما يصدره من مذكرات إحضار وأوامر اعتقال وإدانات تتسم عادة بقسوتها البالغة، نجح مراراً في تحريك حشود الكتالونيين للنزول إلى الشوارع. ولفترة طويلة من الوقت كانت الاحتجاجات ضد النظام القضائي الإسباني سِلْمية بشكل واضح. ويوم الأحد الماضي، تصاعدت تلك الاحتجاجات، بعد اعتقال الرئيس الكتالوني السابق «كارليس بوتشدمون» عند دخوله ولاية شليسفيج-هولشتاين الألمانية، بناء على أوامر من برلين وبترتيب مع العاصمة الإسبانية. والآن يراقب العالم ألمانيا ليرى إذا ما كانت البلاد سترحل «بوتشدمون»، والمسؤولون القضائيون في ألمانيا- في كل من «شليسفيج-هولشتاين»، التي يُحتجز «بوتشدمون» فيها حالياً، وفي المحاكم التي يُتوقع أن تقضى بترحيله في العاصمة برلين- يتعين عليهم بذل كل ما في سلطتهم لنزع فتيل الأزمة. واعتقال «بوتشدمون» استند إلى مذكرة اعتقال أوروبية. فقبل بضع سنوات، أدخل أعضاء الاتحاد الأوروبي إجراءات تيسر عملية التسليم عبر الحدود لتستخدم في مجالات مثل مكافحة الإرهاب. ومذكرة الاعتقال قامت على أساس الثقة المتبادلة في التزام كل الدول المشاركة بحكم القانون وفي امتلاكها لنظام قضائي جيد مستقل عن السياسة. والزعماء الانفصاليون ليسوا وحدهم منّ عبر عن شكوك في استقلال بعض أعضاء الفرع القضائي الإسباني. ومن الواضح أن كثيرا من المدعين العموميين ليسوا مستقلين والنائب العام، على سبيل المثال، تعينه الحكومة المركزية في مدريد. والقاضي التنفيذي الذي أصدر أوامر الاعتقال الأولى في أكتوبر تم تكريمه بقلادة من وزير الداخلية في مدريد قبل أسبوعين. لكن القضاة في المحكمة العليا الإسبانية الذين يريدون حالياً إخضاع بوتشدمون ورفاقه للمحاكمة عيّنهم مجلس انتخبه البرلمان الإسباني. ويتفق باحثون قانونيون واتحاد «قضاة من أجل الديمقراطية» الذي يضم القضاة والقضاة التنفيذيين الإسبان، إلى حد كبير المجلس له حرية التصرف في التعيين في المناصب القضائية. والقضاة من جانبهم قادرون على اتخاذ قرارات مستقلة في عملهم اليوم. وهناك أيضا عدد من الأحكام التي أصدرتها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد إسبانيا. وليس هناك علاقة معلومة محل شكوك بين السياسيين وقاضي المحكمة العليا «بابلو لارينا» الذي أصدر مذكرة الاعتقال الأوروبية ضد «بوتشدمون» وآخرين لاتهامهم باحتمال اختلاس أموال عامة والتمرد، ضمن اتهامات أخرى. ويُرجح أن الزعماء الانفصاليين قد استخدموا بالفعل أموال دافعي الضرائب لتنظيم استفتاء محظور على الاستقلال. لكن «لارينا» قد يخرج خالي الوفاض فيما يتعلق باتهام التمرد الذي من الممكن أن يؤدي إلى عقوبة السجن لمدة 30 عاما لبوتشدمون بموجب القانون الإسباني. لكن الإدانة بالاتهام تتطلب إثبات استخدام فعلي للقوة. لكن «بوتشدمون» ورفاقه لم يستخدموا العنف. والسلطات القضائية الألمانية يتعين أن تقرر الآن إذا ما كانت سترحل «بوتشدمون»، وإذا اتخذت قرار الترحيل سيتعين عليها أن تستعد للدفاع عن قرارها. وليس من حقها أن تعيد النظر في الجوهر الأساسي للمزاعم. لكن لها بعض النفوذ في مسألة إذا ما كانت الأعمال نفسها يعاقب عليها القانون في ألمانيا. والإجابة عن السؤال هي «نعم» واضحة فيما يتعلق باتهام اختلاس الأموال العامة. لكن فيما يتعلق باتهام التمرد، فإن الإجابة أقل وضوحاً بكثير. والجزء المتعلق بـ «الخيانة العظمى ضد الاتحاد» في قانون العقوبات الألماني لا يُقارن مباشرة بفكر التمرد في القانون الإسباني. وهنا تصبح الأمور شديدة الدقة لأن ألمانيا إذا رحلت «بوتشدمون» على أساس اتهام اختلاس الأموال العامة، فكل ما يستطيع القضاء الإسباني فعله هو محاكمته في إسبانيا بشأن هذا الاتهام دون محاكمته في اتهام التمرد. و«بوتشدمون» ليس خائنا، بل سياسي منتخب ديمقراطياً أراد استخدام الوسائل السياسية ليكسب اهتمام ناخبيه ربما بمساعدة أموال الضرائب دون أن يلجأ قط إلى العنف. وفي حال الشك، قد تتخذ السلطات القضائية الألمانية قرارا في صالح بوتشدمون الانفصالي. ويتعين على صانعي السياسة في برلين أيضا أن يضطلعوا ببعض المسؤولية ويبدؤوا مساعي التوسط ويعززوها بين الجانبين في هذا الصراع الذي أصبح محتدماً بشدة. ويتعين على ألمانيا المساعدة في العثور على حلول وسط يمكنها أن تؤدي، على سبيل المثال، إلى نوع من الحكم الذاتي الذي أقرت به إسبانيا بالفعل لإقليم الباسك. لقد حاولت المستشارة الألمانية لبعض الوقت أن تنأى بنفسها عن الصراع الحساس بأي ثمن، لكن الصراع جاء إلى عقر دار ألمانيا. كلاوس هيكينج* *صحفي ومحلل سياسي ألماني عن مجلة «دير شبيجل»- ينشر بترتب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»