تتمركز المهمة الأساسية لجهاز المناعة، بمكوناته المختلفة، حول الدفاع عن الجسم ضد الجراثيم والميكروبات الضارة وأي أجسام غريبة تجد طريقها إلى الداخل. ولكن، أحياناً ما ينقلب جهاز المناعة على صاحبه، ليتسبب في عدد من الأمراض الخطيرة، تعرف مجتمعة بأمراض المناعة الذاتية، والتي يتخطى عددها الثمانين مرضاً حسب آخر التصنيفات الطبية. ومن هذه الأمراض نذكر على سبيل المثال لا الحصر: داء السكري من النوع الأول والذي كان معروف سابقاً بسكري الأطفال، والتهاب المفاصل المعروف بالروماتويد، ومرض الصدفية الذي يصيب الجلد، ومرض التصلب المتعدد الناتج عن التهاب الجهاز العصبي المركزي، والتهاب الأمعاء الغليظة بأنواعه المختلفة، ومرض الذئبة الحمراء الذي يصيب المفاصل والجلد والكليتين، وبعض الأمراض التي قد تصيب الغدة الدرقية أو الغدة فوق الكلوية، وغيرهم الكثير. وتتميز أمراض المناعة الذاتية بثلاث صفات رئيسة: حدوث تلف أو تدمير كامل للأنسجة، بالترافق مع اختلال في نمو العضو أو الأعضاء، وبالتالي عجز العضو أو الأعضاء عن أداء وظائفها بشكل سليم. وفي الغالب ما تكون أمراض المناعة الذاتية، مزمنة، ينتج عنها إعاقات مختلفة، ومهددة للحياة، ويلقى العديد من المصابين بها حتفهم بسببها. وما زال الطب الحديث عاجزاً عن تحديد سبب هذا الاختلال المناعي، وما ينتج عنه من تلف في المفاصل، أو الأعصاب، أو الجلد، أو العضلات، أو بعض الغدد، وإن كان من المؤكد وجود استعداد وراثي، يظهر في شكله المرضي نتيجة ظروف وعوامل بيئية، أو بسبب عدوى فيروسية. وفي ظل حقيقة أن النساء أكثر عرضة بقدر ملحوظ للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، وبالتحديد 3 من كل أربعة من المصابين نساء، يعتقد العلماء أن هناك عاملاً هرمونياً أيضاً. وتنتشر أمراض المناعة الذاتية بشكل كبير، لدرجة أن بعض الدراسات تقدر أن 7 في المئة من السكان مصابون بنوع أو آخر منها، وهو ما يبلغ في بلد مثل الولايات المتحدة أكثر من 27 مليون مصاب حسب بعض التقديرات، وهو ما يعني أن على المستوى الدولي قد يوجد عشرات وربما مئات الملايين من المصابين بأحد أنواع أمراض المناعة الذاتية. وإنْ كان من المنظور الدولي، لا تتوزع هذه الإصابات بشكل متساوٍ، حيث ترتفع المعدلات في الدول الغربية، والصناعية الغنية بقدر ملحوظ، مقارنة بمعدلات انتشارها في الدول النامية والفقيرة. وبخلاف الاستعداد الوراثي، أدى هذا الاختلال في معدلات الانتشار بين الدول الغنية والفقيرة إلى طرح ما يعرف بفرضية النظافة (Hygiene Hypothesis). وعلى حسب هذه النظرية، أو بالأحرى الفرضية، يؤدي عدم التعرض في مراحل الطفولة المبكرة للجراثيم المرضية، والميكروبات غير المرضية، والطفيليات، والديدان، إلى زيادة احتمالات الإصابة لاحقاً بأمراض الحساسية مثل الأزمة الشعبية أو الربو، كما أنه يعيق جهاز المناعة عن نموه وتطوره بشكل سليم، مما يؤدي للإصابة بأمراض المناعة الذاتية، وبالأمراض التي تصيب مكونات جهاز المناعة نفسه، مثل سرطان الدم أو اللوكيميا. ويرى البعض أن هذا الوضع يفاقمه حالياً الإفراط الحالي في استخدام المضادات الحيوية، ومخفضات الحرارة، والتطعيمات الطبية في مرحلة الطفولة، كما أن حقيقة كون ثلاثة أرباع المصابين بأمراض المناعة الذاتية هن من النساء، وأن هذه الطائفة من الأمراض تحتل موقعاً متقدماً ضمن أهم عشرة أسباب للوفيات بين النساء دون سن الخامسة والستين، يعتقد العلماء أن الحمل والولادة يلعبان دوراً محورياً في هذا التباين في معدلات الإصابة بين الجنسين، وعلى حسب هذا الرأي، يمكن للأم الحامل أن تصاب باختلال في جهاز المناعة، نتيجة تعرضها لخلايا جنينها، المختلفة جينياً ومناعياً عن خلاياها. هذه الخلايا الجنينية قد تظل في جسد الأم بعد الولادة، لسنوات، ولعقود أحياناً. وللأسف، ما زال الطب عاجزاً عن توفير علاج، يحقق الشفاء التام لهؤلاء المرضى، حيث تقتصر الاستراتيجية العلاجية الحالية على تخفيف حدة المرض والسيطرة على أعراضه ومضاعفاته، ضمن ما يعرف بـ(إدارة المرض) بدلاً من علاجه. أفضل مثال على ذلك، مرضى داء السكري من النوع الأول، والذي ينتج من تدمير جهاز المناعة للخلايا المسؤولة عن إنتاج هرمون الأنسولين في البنكرياس، والذي يتم علاجهم، أو بالأحرى إدارة مرضهم، من خلال تلقى حقن مرات عديدة يومياً من الهرمون المفقود، مع قياس مستوى السكر في الدم بشكل دوري، والتعامل مع كمية ونوعية الغذاء بحرص، وعلاج المضاعفات التي قد تنتج بعد سنوات أو عقود من هذا الاختلال المناعي الذاتي.