في الثاني عشر من مارس الجاري، أعلنت لجنة الاستخبارات في مجلس النواب الأميركي والتي يهيمن عليها «الجمهوريون» النتائج الأساسية لتحقيقها في الشبهات حول تدخل روسيا في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية في 2016. وفي بيانها، قالت اللجنة، إن من بين الخلاصات التي انتهى إليها تحقيقها وصادق عليها الأعضاء «الجمهوريون» فيها تأكيد عدم العثور على أي إثبات على تواطؤ أو تنسيق أو تآمر بين حملة ترمب والروس. هل انتهت القضية عند هذا الحد، أم أن هناك عقبة اسمها «روبرت مولر» لا بد لترامب أن يتخطاها؟ يخشى الجميع في الداخل الأميركي اليوم أن يقيل ترامب المحقق الخاص «مولر» الذي يقوم على التحقيق في قضية «روسيا - جيت»، ولهذا استمعنا مؤخراً لتحذيرات من قبل كبار أعضاء الحزب «الجمهوري»، مثل السيناتور «ليندساي جراهام» من أن إقالة «مولر» تعني نهاية رئاسة ترامب مرة وإلى الأبد، إلى أين تمضي إشكالية ترامب والروس؟ قبل نحو شهر أو أزيد قليلاً، أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأول مرة استعداده للاستجواب تحت القسم أمام مولر، وقال «أتطلع للقاء مولر خلال أسبوع أو ثلاثة أسابيع، أحب أن أفعل ذلك في أقرب وقت ممكن، والمعروف أن ترامب كان قد استبعد في وقت سابق أن يلتقي «مولر»، لكنه عاد الآن ليؤكد أنه «لم يكن هناك تواطؤ على الإطلاق، ولا توجد أي عراقيل على الإطلاق». في هذا السياق ذاته، يعن لنا أن نتساءل ما الذي جرى ودفع ترامب لتغيير موقفه، وهل يمكن لمثل هذا الاستجواب أن ينهي حكمه، سيما أن أي تصريح له تحت القسم يعرضه للإقالة، وربما للمحاكمة، وذلك إذا ما قدر لـ«موللر» إثبات ذلك، خاصة بعد أن خلصت الاستخبارات الأميركية بالفعل إلى أن موسكو حاولت التأثير على الانتخابات الرئاسية لمصلحة الرئيس ترامب، على الرغم من نفي روسيا ذلك؟ روسيا جيت.. الحقيقة الضائعة ما الذي جرى خلال الحملة الانتخابية الرئاسية بين المرشح «الجمهوري» ترامب ومنافسته «الديمقراطية» هيلاري؟ صلب القضية يتصل بتدخلات استخباراتية روسيا، في مقدمتها اختراق البريد الإلكتروني لهيلاري، وكشف عدد من الفضائح المتعلقة بها وبحملتها الانتخابية، لاسيما المؤامرات التي كانت تحاك من قبل «الديمقراطيين» أنفسهم لاستبعاد المرشح «الديمقراطي» بيرني ساندرز بطرق غير ديمقراطية، الأمر الذي أفقدها حظوتها في عيون ملايين من الأميركيين صوتوا بالفعل لصالح ترامب. وهنا فان التساؤل: «هل كان فلاديمير بوتين ورجالات استخباراته ينتقمون من هيلاري التي شككت عام 2012 في نزاهة و«ديمقراطية» انتخاب بوتين كرئيس من جديد لولاية ثالثة لروسيا؟ الشاهد أن هناك قصصاً وأحاديث كثيرة عن شبهات لقاءات جرت بين مستشارين في حملة ترامب، وبين أطراف روسية، بل إن أحد أبناء ترامب نفسه كان قد التقى محامية روسية في نيويورك، والتحقيقات دائرة حول ما الذي تم نقاشه في هذا اللقاء، وهل زوده الروس بمعلومات أثرت بشكل خاص على سير العملية الانتخابية، بل أكثر من ذلك فان الاتهامات كانت ولاتزال تحوم حول «جاريد كوشنر» صهر ترامب وكبير مستشارية في البيت الأبيض، وقد لعب دور الوسيط بين ترامب والحكومات الأجنبية خلال الحملة الانتخابية في 2016، منها لقاءات مع مسؤولي بنوك روسية، وان اعتبر الكرملين لاحقاً أنها أعمال روتينية من صلاحيات البنوك نفسها. غير أن هذه الأطراف كافة توضع في جانب، فيما الشكوك الحقيقية التي تعمق من إشكالية ترامب توجد على الجانب الآخر الذي يشغله الجنرال «مايكل فلين»... ماذا عن هذا؟ مايكل فلين... الإقالة أو التبرئة: لم يقترب أحد من دونالد ترامب بقدر اقتراب الجنرال «مايكل فلين» رئيس استخبارات وكالة الدفاع الأميركية، والرجل الذي أعترض على سياسات «باراك أوباما»، ولهذا قدم استقالته عام 2014، ووجد في ترامب ضالته للانتقام من أوباما، ومن «الديمقراطيين» دفعة واحدة. ولعل الذين تابعوا خطاب النصر عشية إعلان نتائج الانتخابات، رأوا كيف كان ترامب مشغولاً، بل ومشغوفاً بالبحث عن «فلين» ودعوته للصعود على المنصة، ربما لمشاركته في الانتصار الذي تحقق، وتالياً تم تعيين «فلين» مستشاراً للأمن القومي ضمن فريق إدارة ترامب، قبل أن يتم الاستغناء عنه وصرفه بعد شهر واحد... ما الذي دفع ترامب لاتخاذ مثل هذا القرار الصعب؟ القصة في مضمونها تعود إلى زمن «باراك أوباما» الذي وقع عقوبات دبلوماسية على روسيا قبل نهاية فترته الثانية، وقد كان الروس بطبيعة الحال مهتمين بالرئيس الأميركي القادم، وهل يفكر في رفع العقوبات عن موسكو أم لا؟ في هذا الإطار، كان «فلين» يلتقي في واشنطن السفير الروسي «سيرجي كيسلياك»، وبات السؤال ما الذي دار في هذا اللقاء أو تلك اللقاءات، وما الذي قدمه الجانب الروسي له في مقابل ربما وعود برفع تلك العقوبات حال نجاح ترامب ووصوله لمقعد الرئاسة، وهل أضحى «فلين» بذلك عرضه للابتزاز الروسي؟ على أن السؤال الأهم والأخطر والذي غالباً ما سيطرحه المحقق موللر على «ترامب» تحت القسم: «هل كان ترامب على معرفة مسبقة بمثل هذه اللقاءات أم أنها جرت من خلف ظهره؟ ومعروف أنه في قرار طرد«فلين» قال البيت الأبيض، إنه ضلل نائب الرئيس «مايك بنس»، وكذب بشأن اللقاء مع السفير الروسي في واشنطن. مؤكد أن ترامب في ورطة حقيقية حال مضى في لقاء «مولر» ذلك أن عليه أن يقدم الحقيقة في شأن الجنرال «فلين» كاملة، فإذا أقر بأنه كان يعلم، فالأمر كارثي ومؤداه أنه وافق على تعريض الأمن القومي للبلاد لخطر حقيقي، وهنا تبدأ دوائر الحديث عن العزل أو الإجبار على الاستقالة. وفي حال أنكر معرفته بقيام «فلين» بهذه الاتصالات، فإن المخاوف جلها من أن يكون لدى أجهزة الاستخبارات الأميركية تسجيلات لاتصالات أو مكالمات بين الروس وفلين، وبين فلين وترامب، تثبت أن الرئيس المنتخب متورط بالفعل، وهناك أحاديث نقلتها محطة «سي. إن. إن» الإخبارية الأميركية عن مسؤولين أميركيين سابقين أكدوا أن أوباما حذر ترامب من «فلين» ونصحه بعدم ضمه إلى الفريق الحكومي، وذلك خلال اجتماعهما في البيت الأبيض في العاشر من نوفمبر 2016، لكن ترامب لم يصغي إليه. هل ينجو فلين ويتورط ترامب؟ أحد أهم السيناريوهات التي يمكن أن تدفع ترامب للقلق العميق، هو سيناريو الجنرال «فلين» وما الذي يمكن أن يدلي به من اعترافات إذا ضمن حصانة تنقذه من أي عقوبات حتى وإنْ ورطت ترامب في مستنقع الخيانة للأمن القومي الأميركي، وبالتالي عزله من منصبه؟ في نهايات فبراير الماضي، وبعد بضعة أسابيع من طرده من البيت الأبيض، أعلن «فلين» أنه مستعد للإدلاء بشهادة أمام السلطات الأميركية، وعلى رأسها مكتب التحقيقات الفيدرالي ‏FBI، ?وتزويدهم ?بالمعلومات ?بخصوص ?علاقة ?حملة ?ترامب ?مع ?روسيا، ?مقابل ?حصانة ?من ?الملاحقة ?القضائية، الأمر ?ذاته ?أكده ?محاميه «?روبرت ?كيلر»، ?الذي ?أشار ?في ?تغريدة ?له ?إلى ?أن «?فلين» ?لديه ?بالتأكيد ?ما ?يود ?أن ?يقوله، ?وهو ?يريد ?التحدث ?فعلاً ?إذا ?سمحت ?الظروف ?بذلك?. ما الذي يجري بين «فلين» وجهات التحقيقات الأميركية من ذلك الوقت وحتى الساعة؟ يبدو أن هناك حالة من الغموض المتعمد في هذا الإطار، فقد أشار محامي «فلين» إلى أنه «احتراماً للجان»، لن نعلق حالياً على تفاصيل المحادثات بين محامي الجنرال، وبين لجان الاستخبارات في مجلسي الشيوخ والنواب، وسنكتفي بتأكيد أن هذه المحادثات قد حصلت بالفعل. «فلين» و«روسيا اليوم» لكن وعلى الرغم من ذلك، فقد تسربت وثائق من الكونجرس لوسائل الإعلام الأميركية أفاد بعضها بأن الجنرال «فلين» قبض 33 ألفاً و750 دولاراً مقابل مشاركته في ديسمبر 2015 في حفل لمناسبة ذكرى تأسيس قناة روسيا اليوم التلفزيونية الحكومية، ولم تكن هذه المشاركة سرية، لكن ما لم يكن معلوماً حتى وقت قريب المبلغ الذي قبضه «فلين» مقابل مشاركته في الحفل، حيث جلس إلى جانب الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» خلال مأدبة عشاء. ولعل الأكثر إثارة في قصة الجنرال «فلين» هو أن الرئيس ترامب نفسه وفي اليوم التالي لقصة الحصانة، أيد طلب «فلين»، فيما قال «شون سبايسر» المتحدث باسم البيت الأبيض وقتها للصحافيين: «إنه لا يشعر بالقلق من تقديم فلين معلومات قد تلحق ضرراً بالإدارة الأميركية»، وأضاف أن ترامب يريد من «فلين» أن يدلي بشهادته لنضع هذا الأمر وراء ظهورنا، لكنه امتنع عن أن يقول بشكل محدد، إنه يجب أن يحصل على حصانة. وأكد سبايسر: «الرئيس واضح جداً في أنه يريد أن يذهب مايكل فلين، ويكون صريحاً وشفافاً تماماً مع اللجنة، وهو يؤيد كل ما يتطلبه ذلك أياً كان» هل طمأنينة «ترامب» هذه حقيقة، وأن مسألة «روسيا - جيت» برمتها لعبة سياسية استخباراتية من الدولة الأميركية العميقة لإفشال مشروع ترامب الذي جاء به معه إلى رئاسته؟ ثورة ترامب الأيديولوجية حينما دلف الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض حمل معه رؤية لثورة إيديولوجية ضد الطبقة الحاكمة الحقيقية في البلاد، جماعات الأحزاب الذين وصفهم بأنهم فاسدون، سواء من «الديمقراطيين» أو من «الجمهوريين»، فترامب غير محسوب على المؤسسة السياسية الأميركية التي تعرف بـ «الاستبلشمنت»، وهنا بدا واضحاً أن الرجل يريد إعادة بلورة للسياسات الأميركية الخارجية، وفي المقدمة منها فتح صفحة جديدة من العلاقات الأميركية - الروسية، وقد بدأ الرجل جاد بالفعل، حيث أرسل ثعلب السياسة الأميركية «هنري كيستنجر» لبلورة مسارات جديدة من واشنطن إلى موسكو. غير أن هذا التوجه لم يكن بالتأكيد والتحديد ليرضي أخطر مثلث نفوذ في الداخل الأميركي مثلث المجمع الصناعي العسكري «الذي حذر منه آيزنهاور في خطاب وداعة 9 يناير 1961»، وأضلاع المثلث هم أصحاب المصانع الحربية، أولئك الذين يعدون عصب الحياة الاقتصادية الأميركية، فالولايات المتحدة هي تاجر السلاح الأول ومورده الرئيس حول البسيطة برمتها، والضلع الثاني هم جنرالات «البنتاجون» الذين يقومون على إشعال الحرب بالشراكة مع جماعات الاستخبارات المختلفة أسماؤها والموحدة أهدافها ورؤاها، فيما الضلع الثالث والأخير فيتصل بأعضاء الكونجرس بغرفتيه: العليا (مجلس لشيوخ)، والسفلي (مجلس النواب) وهؤلاء الذين يشرعون الحروب، ويعتمدون الموازنات، ويدعمون الرئيس في مسعاه أو يعرقلون توجهاته. أدرك القائمون على هذا المثلث أن سياسات ترامب لجهة روسيا ستضحى كارثية بالنسبة لهم، وعليه يطرح البعض داخل أميركا وخارجها علامة استفهام جادة: «هل قصة روسيا - جيت» برمتها ضرب من ضروب المكايدة السياسية، هدفها وقف ثورة ترامب الأيديولوجية، وتدجينه ضمن سياقات أميركا الفوقية الإمبريالية؟ روسيا.. إصرار على رفض الاتهامات كثيرة جداً تصريحات النفي الروسية، حتى وإن ترك بوتين الباب مفتوحاً حينما أشار إلى أن جماعات يمينية وطنية روسية تحاول الثأر من الأميركيين جزاء ما فعلوه في الداخل الروسي من تفكيك بل وتفخيخ بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ومن جهته كثيراً جداً أيضاً ما رفض ترامب المزاعم وألمح إلى أن أوباما ربما تنصت على برج ترامب في نيويورك أو أن الصين ربما تكون وراء الهجمات الإلكترونية، ولم يتم التوصل لأي دليل يثبت ذلك. عند الكاتب الفرنسي «تيرى ميسان» أن المؤسسة الأميركية الحاكمة، والتي أشار إليها وزير الخارجية الأميركية السابق «جون كيري» منذ أيام ما يجعل الأمر حقيقة لا خيالاً، شعرت بأنها مهددة بسبب المتغيرات الدولية التي قادها الرئيس ترامب، ولهذا تحالفت مؤخراً لوضعه تحت وصاية الكونجرس، وقد تمكنت بمقتضى قانون تم التصويت عليه بشبه إجماع تام، من فرض عقوبات على كوريا الشمالية وإيران، وروسيا، وتدمير كل استثمارات الاتحاد الأوروبي والصين.. لماذا تنحو الدولة الأميركية العميقة هذا النحو؟ الجواب لأن ما يهمها بالفعل هو وقف سياسة التعاون والتنمية التي يقودها الرئيس ترامب، والعودة فوراً إلى نظرية «وولفويتز» في المواجهة والسيطرة، وقد ساهم الأمين العام للبيت البيض «رايس بريبيوس» في نسج خيوط مؤامرة تهدف لاتهام دونالد ترامب بالتواطؤ مع روسيا. ولعل المؤكد في كل الأحوال أن العلاقات الروسية - الأميركية تدور في حلقة مفرغة منذ أكثر من ربع قرن، فكلما تولى رئيس أميركي جديد السلطة حاولت روسيا استغلال أي فرصة لتقريب العلاقات بين البلدين، ومحاولة علاج القضايا الخلافية التي ورثتها عن الإدارة السابقة، غير أن هذه المساعي غالباً ما تواجه بانتكاسة، بسبب إضافة ملفات خلافية جديدة، تفرض أزمات في العلاقات الثنائية، والعهدة هنا على الراوي «أليكسي دولنسكي» الخبير المشارك في مؤسسة «كابستون كونكشنز» لتحليل وتقييم السياسات العامة في موسكو، فهل «روسيا - جيت» هي ضرب من هذه الضروب ضمن حتمية الصراع الأميركي - الروسي؟ عزل ترامب ونبوءة ليختمان ومع الشهادة المتوقعة من«ترامب» أمام «موللر»، يتساءل الأميركيون: «هل تتحقق نبوءة المؤرخ الأميركي» آلان ليختمان الرجل الذي صدقت كل توقعاته بشأن انتخابات الرئاسة الأميركية منذ عام 1981 وحتى الساعة؟ أحدث كتبه صدرت في شهر مايو الماضي في الولايات المتحدة حملت اسم «شروط العزل» وفيه يتحدث عن أسباب عديدة تؤدي إلى عزل الرئيس، بصفة عامة، أما في حالة ترامب فإن الظاهر للعيان من الأسباب يتمثل في تضارب المصالح بين الأعمال التجارية والسياسية، وعلاقاته السياسية السابقة، وميله إلى شهادات الزور. لكن في حالة ترامب، فإن العلاقة المحتملة بينه وبين وموسكو ستكون هي السبب في عزله. يقول ليختمان: (كان دونالد ترامب من بين الذين أثارت بحوثي اهتمامهم، وقد كتب لي: «أهنئك يا أستاذ - اختيار جيد» لكنه تجاهل التنبؤ الثاني بشأن تقديمه إلى العدالة، وإنني هنا لم أعتمد على النموذج الذي استخدمه دائماً، بل استخدمت تحليلاً عميقاً لسلوك ترامب، والتاريخ السياسي، تاريخ العزل في البلاد). هل يمكن اتهام ترامب بالخيانة العظمى؟ يحدث ذلك في حالة إذا ما ثبتت المزاعم بشأن طلبه شخصياً أو أحد أعضاء فريقه الانتخابي من روسيا التأثير في نتائج الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة. كما أن هناك باباً آخر، ولكنه أقل ضراوة وأقل من أن يتسبب في عزل ترامب، وهو تضارب المصالح التجارية والمالية، وحال تحقيق أي فوائد مالية من دولة أخري، فإن ذلك يعد انتهاكاً للدستور الأميركي، والعقوبة هنا الفصل من العمل وكما هو معلوم، فإن ما لا يقل عن 20 بلداً هي شريكة في مؤسسة ترامب. التنحي أم صفقة مع الكونجرس؟ بالنظر إلى المشهد الداخلي الأميركي، لا يمكن في حقيقة الأمر الجزم بما إذا كان ترامب سيتم عزله إن أدين أمام السلطات الأميركية، وفي المقدمة منها لجنة مولر التي سترفع ولا شك نتائج أعمالها إلى الكونجرس، أو أن صفقة بينية مع الدولة العميقة ستمكن ترامب من إكمال ولايته الأولى، وهناك شواهد للحالتين. في الحالة الأولى نستمع إلى تصريحات النائبة «الديمقراطية» المخضرمة في مجلس الشيوخ «دايان فينستين» والتي ألمحت إلى أن الرئيس الأميركي ترامب قد يتخلى عن منصبه قبل أن يتم إجباره على تركه»، ولاحقاً أضافت: «كلنا نعلم أن الرئيس يخرق القانون كل يوم، وله علاقات واضحة مع روسيا، كما أن هناك العديد من الأشياء التي يفعلها غير دستورية، فكيف نجبره على مغادرة منصبه؟ إشكالية السيدة «فينستين» بالنسبة لترامب هي أنها تترأس واحدة من أهم اللجان في مجلس الشيوخ اللجنة القضائية، وقد أشارت إلى أن لدى لجانها أشخاص كثيرون يبحثون في ملفات ترامب. رجالات الاستخبارات بدورهم لم يكونوا ليغيبوا عن المشهد، فقد كشف المحلل السابق بوكالة الأمن القومي الأميركي ‏NSA جون ?شندلر أنه (?إذا ?واجه ?الرئيس ?ترامب، ?وليس ?فريقه ?فقط ?لائحة ?اتهام ?تبدو ?قادمة، ?فستكون ?تلك ?نقطة ?فارقه، ?حيث ?قد ?يتم ?عزله ?من ?البيت ?الأبيض ?شاء ?أم ?أبى)?، ?فيما ?رئيس ?لجنة ?المخابرات ?بمجلس ?النواب ?الأميركي «?ديفيد ?نونيز» ?يؤكد ?أن ?الرئيس ?السابق ?لفريق ?حملة ?ترامب ?الانتخابية «?بول ?مانافورت»?، ?والمتهم ?بالعمل ?لمصلحة ?الرئيس ?الروسي ?فلاديمير ?بوتين، ?قد ?تطوع ?للإدلاء ?بشهادته ?حول ?هذا ?الأمر. لكن على الجانب الآخر تبدو هناك إمكانية ما لاتفاق بين ترامب والدولة الأميركية العميقة، وقد جرى في مايو الماضي نوع من أنواع هذه الاتفاقيات حين تناول جون ماكين، وليندسي جراهام، وهما من طليعة الدولة الأميركية العميقة، العشاء مع دونالد ترامب، وبدا وقتها أنهم عثروا على اتفاق فيما بينهم، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بالوصاية على أوروبا، ما يعني التخلي عن التحالف مع روسيا، ومن ثم الانسحاب من الشرق الأوسط الكبير. ما هي الخلاصة؟ المؤكد ستشهد الأيام القادمة تطورات مثيرة في الولايات المتحدة الأميركية، وستراعي القوة الحقيقية الحاكمة هناك مصالح أميركا أولاً وأمنها القومي وسيادتها على العالم تحقيقاً لرؤية المائة عام الأميركية، وأغلب الظن أنه في ضوء تلك المحددات فقط سيتم إما المضي قدما في عملية عزل ترامب أو الإبقاء عليه ضمن صفقة بين «الجمهوريين» و«الديمقراطيين» والبيت الأبيض، اتفاقية قد لا يعرف عنها الأميركيون شيئاً، في دولة تباع فيها الديمقراطية على الأرصفة ولمن يدفع أكثر.