هل ستكتفي الجمهوريات في العالم بالتحول إلى ملكيات، أم أنها ستسعى لتصبح إمبراطوريات في العقود القليلة المقبلة؟ سؤال، يرى فيه الجمهوريون تناقضاً سافراً لما يصدّقونه ويعرّفونه بـ«الصيرورة التاريخية» التي وعدتهم بـحتمية فشل الملكيات في العالم بإدارة شؤون الدول واستدامة استمرارها، أما الملكيون فالسؤال يحضر في أذهانهم بإلحاح، كونهم يراهنون على أن ما تخلفه الجمهوريات من جهل وتهميش وفقر لشعوبها، إضافة إلى قبضة الحديد والنار، كفيل بأن تتسبب في انهيار هذه الأنظمة آجلاً أم آجلاً. والمثال الذي قد يشكل مصدر فرح لدى الملكيين: أخذُ صبيٍّ من دولة نظامها ملكي، وآخر من دولة نظامها جمهوري - تحديداً في العالم العربي - وإدخالهما مختبراً نفسياً وذهنياً، ستجد النتيجة أن نسبة التطور الاجتماعي مرتفعةٌ لدى الأول ومنخفضة لدى الثاني. ما العوامل المسؤولة عن هذه النتيجة؟ لا علم لي بذلك، لكن ما أعلمه أن النتيجة علميّة مائة بالمئة، ويُسأل فيها أي عالم اجتماع. إن أي نظام ملكي في العالم، بات من السهل التعرّف على وضعه الدستوري وشكله القانوني، وفيما إذا كان نوعه مطلقاً أم ملكياً دستورياً، أم غير ذلك. أما النظام الجمهوري، فكما هو مفترض، أنه نظام يتغيّر فيه الرئيس بعد كل فترة زمنية، يحدد الدستور عدد أعوامها، إما بأربعة أعوام أو خمسة. وفي أغلب الجمهوريات في العالم، يمنع الدستور التجديد للرئيس بعد انقضاء فترتين متتاليتين له في المنصب. مثال على ذلك: أميركا وفرنسا. ما يشهده العالم اليوم هو أن هنالك «خلطةً» هجينة تجري في أنظمة الحكم التقليدية المعروفة تاريخياً، قد بدأت في التبلور والظهور، بحيث غدا من الصعب على المراقبين السياسيين، تحديد هوية لهذه (الخلطة) أو منحها شكلاً معيناً. والأمثلة الساطعة على ذلك بدأت تتالى في غير مطرح من العالم، ومنها أبرز ثلاث جمهوريات قد تحولت تماماً إلى امبراطوريات، الأولى، الجمهورية التركية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي ضمن له النظام الرئاسي الذي جرى إقراره مؤخراً، الاستمرار في منصبة إلى أكثر من فترتين، بحيث يجدد له تلقائياً طالما أن الوضع في البلاد يقتضي ذلك. والجمهورية الثانية، هي جمهورية روسيا الاتحادية بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين، الذي جرى انتخابه للمرة الرابعة نهاية مارس الماضي، وفق نظام شبه رئاسي. وكان قد لجأ الرئيس بوتين خلال سنوات حكمه الماضية، إلى إجادة لعبة ديمقراطية اتفق المراقبون على تسميتها بـكرة السلة، يجري فيها تبادل للمناصب بين الرئيس ورئيس الوزراء عند كل انتخابات جديدة، وذلك في سلسلة طويلة ومستمرة لا تنتهي، ويصعب قطعها أو إيقافها. أما الجمهورية الثالثة، فهي جمهورية الصين الشعبية بقيادة الرئيس شي جين بينج، الذي جرى انتخابه مؤخراً رئيساً للأبد، الأمر الذي فاجأ المراقبين السياسيين، وقلب توقعاتهم وتحليلاتهم مستقبل الصين رأساً على عقب. وثمة جمهورية إقليمية رابعة هي إيران، تزحف في ممارساتها وسلوكياتها على الأرض، إلى أن تكون إمبراطورية، وتحقق حلمها القومي القديم. ترى، ما الذي ينتظر عالمنا من تغيرات دراماتيكية بعد عقدين أو ثلاثة.. مفاجآت أم صدمات؟