أصبحت الحرب التجارية بين أهم اقتصادين في العالم لا مفر منها فيما يبدو، في الوقت الذي يعد فيه الرئيس دونالد ترامب لفرض حزمة كبيرة من الرسوم والقيود على الاستثمار تستهدف الصين. وتتمتع الولايات المتحدة فيما يبدو بالقدرة اللازمة للفوز بهذه الحرب. فهناك عجز كبير في الميزان التجاري مع الصين، ولذا فلدى الصينيين الكثير مما يخسرونه. لكن هناك خلل في منطق ترامب. فلديه فيما يبدو وجهة نظر قديمة ومبالغ فيها حول مدى ضخامة الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. وبتضخيم القوة الاقتصادية الأميركية، يضخم ترامب كذلك فرصه في إرغام الصين على تغيير ممارساتها التجارية. صحيح أن الولايات المتحدة ما زالت أكبر اقتصاد في العالم، وبفارق كبير مع الصين. لكن هذه الأخيرة تأتي في المرتبة الثانية باقتصاد مثّل 60% فقط من حجم الاقتصاد الأميركي في عام 2016. والولايات المتحدة تلعب دوراً هائلاً في التجارة الدولية. وقد كانت أكبر مستورد وثاني مصدِّر في العالم خلال عام 2016. والصين أكبر مستهلك، ولذلك تتمتع الولايات المتحدة بقدر كبير من النفوذ على التجارة والوظائف الصينية. ورغم هذا لم يعد النفوذ الاقتصادي الأميركي كما كان عليه في الماضي. وصعود اقتصاديات اليابان والهند قلّص بشكل لا يمكن تفاديه القوة الأميركية. ففي عام 1960، كانت الولايات المتحدة تمثل 40% من الإنتاج المحلي الإجمالي للعالم. وفي عام 2016 بلغت هذه النسبة 25% تقريباً. وتنامي الثروة في الاقتصاديات الصاعدة فتح كل الأبواب لأسواق جديدة للصادرات والاستثمار، كما يتزايد التبادل التجاري فيما بين هذه الدول. لقد زادت التجارة بين الدول الآسيوية في عام 2016 بنسبة قياسية بلغت إجمالاً 57%، بينما ارتفع نصيب الاستثمار الأجنبي المباشر فيما بين دول الإقليم إلى 55%. ونتيجة لهذا ستكون لدى الصين بدائل أكثر مما كان لديها من قبل إذا ما اضطرت لإيجاد أسواق أخرى غير السوق الأميركي. وتشير بيانات الصين إلى أن الأوروبيين يشترون الكمية نفسها من البضائع التي يشتريها الأميركيون، بينما تمتص آسيا مثلي هذه الكمية. والرصد التاريخي يوضح أن الصادرات الصينية المتجهة إلى الولايات المتحدة تضاعفت ثماني مرات بين عامي 2000 و2015، فيما ارتفعت الصادرات الصينية المتجهة إلى الهند 37% وإلى فيتنام 43% خلال الفترة الزمنية نفسها. ويجب ألا ننسى أن السوق المحلي الصيني أصبح أيضاً أكثر أهمية للنمو الصيني. والصين هي أكبر سوق في العالم لمنتجات مثل السيارات والهواتف الذكية. ويمضي المستهلكون الصينيون من الطبقة المتوسطة في طريقهم لأن يحلوا محل الطبقات الأميركية المقابلة باعتبارهم أهم المتسوقين في العالم. وبصفة عامة، لم تعد التجارة الخارجية حيوية للصين كما كانت من قبل. فقد انخفضت الصادرات من قمتها التي كانت تمثل 37% من الإنتاج المحلي الإجمالي عام 2006 إلى أقل من 20% عام 2016. وبناءً على ما سبق، يمكننا أن نستنتج بأن الولايات المتحدة تستطيع أن تكبد الاقتصاد الصيني آلاماً كبيرة، لكن هذه الآلام لا تكفي للفوز بالحرب التجارية. وفرصة ترامب في النجاح ستكون أكبر بكثير إذا ما نسّق جهوده مع شركاء الصين التجاريين الكبار، وجميعهم تقريباً من حلفاء الولايات المتحدة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا. وإذا ما اتخذت هذه الدول إجراءات مشابهة لتلك التي يعتزم ترامب اتخاذها ضد الصين، فإنهم قد يضغطون على الزعماء في بكين بقوة أكبر بكثير. ودون هذه الاستراتيجية الجماعية، قد تضرب الصين الولايات المتحدة بحلفائها. وشركاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا سيستفيدون من حرب ترامب دون تكبد أي عناء اقتصادي. ونهج التصرف الفردي قد يترك الولايات المتحدة معزولة ويسمح لباقي العالم أن يتاجر مع الصين ويستثمر فيها، بينما يتضرر المزارعون والعمال الأميركيون والشركات الأميركية وحدهم من الإجراءات الصينية الانتقامية. وينبغي أن يثير هذا قلق واشنطن. والوضع السياسي لترامب أكثر هشاشة من وضع الرئيس الصيني «شي جين بينج». ويتعرض ترامب بالفعل لضغوط من اتحادات رجال الأعمال والاقتصاديين كي يتراجع عن مسعاه وهو ضغط سيتزايد مع الشعور بتأثير الإجراءات الصينية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. بينما «شي» يسيطر على الصحافة ولا تقلقه أي انتخابات مقبلة. ولسوء الحظ، لا يعتزم الرئيس الأميركي فيما يبدو، العمل مع أي شخص خارج البيت الأبيض في مواجهته مع الصين. والأسوأ من هذا أن سياساته التجارية، مثل الرسوم على الصلب وانتقاداته للاتفاقيات القائمة مثل اتفاق التجارة الحرة لأميركا الشمالية، قد نفّرت عدداً كبيراً من الحلفاء المحتملين. وإذا ما حاول ترامب خوض الحرب وحده فقد يجد نفسه في معركة لا يمكنه الانتصار فيها. مايكل شومان صحفي أميركي مقيم في بكين ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»