في أوساط المحللين السياسيين توجد فكرة غير صائبة، أو حتى مضللة، تقوم على معاملة ما يدور في المنطقة العربية وفقاً لمفاهيم الحرب الباردة التي سادت عندما كان الاتحاد السوفييتي السابق قائماً، وقد زالت بزواله. وفقاً لتلك الفكرة يتم النظر إلى تزايد أو تناقص النشاطات الروسية على أنها متساوية مع تقدم أو تقهقر نشاطات الولايات المتحدة الأميركية. ما نعتقده هو أن هذا التصور غير دقيق، ففي هذه المرحلة من تاريخ العالم لا يوجد تنافس كوني أيديولوجي يمكن مقارنته بما كان سائداً بين الاشتراكية والرأسمالية. وفي المنطقة العربية بالذات لا توجد أيديولوجيات محلية - إقليمية قائمة على الاشتراكية العربية والناصرية وأفكار حزب البعث في العراق وسوريا، فقد انتهى كل ذلك. وهذا يدفعنا إلى القول بأن مصالح كل من روسيا والولايات المتحدة في العالم العربي لم تعد خاضعة لمقولات المعادلة الصفرية. وبالتركيز على موقف روسيا من المعضلة السورية نلاحظ بأن وضع روسيا طويل الأمد في سوريا يرتبط بشكل جذري بتواجدها المباشر الوحيد طويل الأمد في العالم العربي، وهو تواجد ضئيل ومتواضع، مقارنةً بتواجد الولايات المتحدة الممتد على الصعيدين الزمني والجغرافي. تدخل روسيا المباشر في سوريا اعتمد لكي ينجح على مكونات واضحة خاصة به وبالمصالح الروسية المحددة. فالروس ملتزمون حتى الآن بقدر محدد من القوة الجوية والقوات الخاصة التي تدعم قوات النظام السوري الذي يظهر تشبثه الشديد بالبقاء في السلطة أمام السنوات العجاف من جهود الحركات الإسلامية المتطرفة لإسقاطه. وفي سياق ذلك أفصحت الحملة العسكرية الروسية عن أهداف سياسية واضحة هي ملتزمة بها وتعمل على تحقيقها، ومن ضمن تلك الأهداف الاستراتيجية تحقيق رغبة روسيا في استعادة دورها وثقتها في نفسها، وهذا يتضح من خلال تدخلاتها في أوكرانيا وضم القرم والتدخل في سوريا. وبالنسبة لسوريا بالتحديد يوجد اهتمام روسي شديد بالقضاء على التطرف والإرهاب والجماعات الإسلامية المتطرفة بكافة أشكالها ومسمياتها، انطلاقاً من إيمان روسيا بأن نجاح هذه الجماعات في سوريا له تداعياته الخطيرة على الأمن القومي الروسي، فروسيا فيها عدد كبير من المسلمين لا يمكن التغاضي عن إمكانية تحركهم في لحظة ما ضد الدولة الروسية بدعم من هذه الجماعات، خاصة إذا استعدنا ما حدث في الشيشان في فترة قصيرة سابقة. من هذا المنطلق سعت روسيا في سياق تخفيض تعقيدات المعضلة السورية إلى خيار محدد من المقارنة بين المحافظة على بقاء نظام بشار الأسد العلماني، وبين وصول الجماعات الإسلامية المتطرفة إلى سدة الحكم. وضمن ذلك قامت بتقوية تفاهم بينها وبين إيران، وبالصمود في وجه انزلاق سوريا نحو حكومة دينية متطرفة وسقوط نظام الأسد على يدها، مؤكدة أنه بغض النظر عن كل ما يمكن أن يحدث، فإن روسيا لا تفقد عميلها في سوريا، أو أن يتم طردها من قواعدها على الأراضي السورية، بمعنى أن روسيا نجحت في إجبار المناوئين لبشار الأسد الخارجيين على الدخول في عملية سلام ذات قيمة عالية دبلوماسياً لم يعد فيها إسقاط النظام أو بشار بشخصه وارداً، وأصبحت كل من روسيا وإيران لاعبين رئيسيين في أية مفاوضات أو حلول للمشكلة. وبعد تدخلها العسكري المباشر قامت روسيا بتدريب وتأهيل وإعادة الثقة المعنوية والأخلاقية والنفسية لقوات الأسد، في نفس الوقت الذي وضعت فيه الحركات التي تقاتل ضده في موقع الدفاع عن النفس والتقهقر وخسارة المواقع. وهذا يعني أن التدخل الروسي خفض جزئياً واحتوى خطر الحركات المتطرفة المتنامي على الأوضاع الداخلية في روسيا ذاتها، في الوقت الذي أكدت فيه أهمية روسيا كشريك يعتمد عليه في محاربة الإرهاب. وهنا يمكن القول بأن روسيا وضعت يدها على صمام اللاجئين السوريين على أوروبا، الذي كاد في لحظة ما أن يهدد بقاء الاتحاد الأوروبي، معززاً بذلك علاقة روسيا التي لا يمكن تجاهلها بالشؤون الأوروبية. خلاصة القول هي إن تدخل روسيا في سوريا أظهر مجدداً إمكانياتها العسكرية، وأعادت موسكو تأسيس نفسها كلاعب رئيس في شؤون العالم العربي، ورسم دليلاً على أن روسيا يمكن الاعتماد عليها من قبل حلفائها لكي تقف بثبات إلى جانبهم عندما يواجهون المخاطر ويحتاجون إليها، لكن بتكلفة عالية حيث حدث خلل في علاقات موسكو مع الأطراف التي تريد إسقاط نظام بشار، خاصة تركيا، لكن يبدو بأن روسيا كانت ولا زالت راغبة في تحمل مثل هذه التكلفة. *كاتب إماراتي