منذ انتصرت الثورة الصينية في 1949، أحكم ماو تسي تونغ قبضته على خناقها. الكوارث الاقتصادية والإنسانية الكبرى التي تسببت بها قيادته، لاسيما «القفزة الكبرى إلى الأمام» ثم «الثورة الثقافية البروليتارية العظمى»، لم تزحزح موقعه السلطوي الشامل. أبعد من هذا، كان توتير المجتمع الصيني بحالات التعبئة المرفقة بالتشنج اللفظي والأيديولوجي وسيلة لتصليب سلطته وتمتين عبادة الشخصية التي يحظى بها. أي منافس محتمل لماو كان يلقى مصيراً أسود. هذه كانت خصوصاً حال الرئيس «ليو تشاو تشي» مع «الثورة الثقافية» التي اتهمته (وهو صاحب كتاب «كيف تكون شيوعياً جيداً؟») بـ «سلوك الطريق الرأسمالي». ربما كان القيادي الصيني الأوحد الذي أعفاه ماو من بؤس المصير هو «شوان لاي». فهو، فضلاً عن الاحترام الواسع الذي يحظى به، حُصر حضوره في السياسة الخارجية بوصفه مهندس الدبلوماسية الصينية وعلاقاتها الدولية. ومع صعود «دينغ هشياو بنغ» بعد رحيل ماو (هو الذي كان أيضاً من ضحاياه)، لم يبالغ القائد الجديد بعبادة الشخصية. صحيح أن دينغ بات زعيما شبه مطلق للدولة والأمة، فحصر بيديه عدداً كبيراً من السلطات والصلاحيات، كما أشرف شخصياً على اختيار الرموز الحاكمة للمستقبل. مع ذلك بقي دينغ شديد التعفف قياساً بماو. بعد ذلك تعاقب على الصينيين قادة بدوا أشبه بكبار الموظفين الحزبيين ممن تنحصر فترة أدائهم للخدمة بمهلة زمنية معينة. وقد بدا أن المهم هو الحزب الواحد الحاكم وليس الشخص الذي يقف على رأسه. الحزب ثابت والرئيس متحوّل. لكن ما حصل مؤخراً إنما يشبه ملء الفراغ في نظام الحزب الواحد، أي استكماله بزعيم. وغني عن القول بأن هذا الزعيم ليس إلا الرئيس الحالي «شي جينبينغ». هكذا وبإجماع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الحاكم، قُرر تعديل الدستور بحيث يُرفع القيد الذي يحدد مدة حكم الزعيم بولايتين فحسب. هذا التوجه نحو رئاسة مدى الحياة، والذي لقي الاستحسان الصريح من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إنما يعبر عن سيرورة متعاظمة تواكب صعود القادة الشعبويين في العالم، بما فيه بعض بلدان الشطر الديمقراطي. ففي روسيا مثلاً، سوف يخوض الرئيس فلاديمير بوتين معركة رئاسية محسومة سلفاً لصالحه. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد: فهو حكم أصلاً، وعبر ثلاث فترات رئاسية، بين 2000 و2018، وإن تخلّلت هذه المدّة ولايةٌ رئاسية لتابعه ورئيس حكومته ديمتري ميدفيديف بين 2008 و2012 (شغل بوتين خلالها رئاسة الحكومة). ومثلما عمل ترامب على تهميش الحزب الجمهوري الأميركي، واضطُر الحزب الشيوعي الصيني إلى استكمال نفسه بزعيم هو «شي جينبينغ»، فإن بوتين لم يترشح هذه المرة بصفته الحزبية، بل بصفته الشخصية. وبالعودة إلى آسيا، يمكن أن نلاحظ كيف أن الوجهة الحالية إنما تعاكس تماماً الوجهة التي سادت خلال العقود القليلة الماضية، في كوريا الجنوبية وسنغافورة، كما في ميانمار وبلدان عدة أخرى. ذاك أن الأقطار المذكورة إنما انتقلت تباعاً من الحكم العسكري إلى الحكم المدني والديمقراطي. ولئن حصل هذا التحول على جناح النظام الرأسمالي ومتطلبات الاندماج في السوق العالمية، فإن التحول المعاكس الراهن إنما يحصل أيضاً على جناح النظام نفسه، مع فارق بارز آخر: ذاك أن الصين التي تنتقل إلى طورها الزعامي، إنما تعلن عن موازنة عسكريّة سنويّة تبلغ 175 مليار دولار، أي بزيادة 8? عما كانت عليه في العام الماضي. وإذا أخذنا في الحساب أجواء التوتر الآسيوي بسبب مزاعم بكين في بحر الصين الجنوبي، واصطدامها بمزاعم دول آسيوية خمس أخرى، جاز لنا رسم لوحة كئيبة تتصل بهذه الميول الرئاسية والشعبوية. إن العالم لم يكن مكاناً مقلقاً بقدر ما هو اليوم. -------------------- *محلل سياسي- لندن