في ولاية بنسلفانيا، وأمام حشد من مؤيديه، فاخر الرئيس دونالد ترامب بقراره الخاص بفرض ضرائب على واردات الألمنيوم والصلب قائلاً: «العديد من مصانع الحديد تفتح أبوابها الآن بسبب ما فعلتُه». وأضاف بنفس النبرة، ودون أن يقدم دليلاً: «لقد عادت صناعة الصلب، كما عادت صناعة الألمنيوم». من الواضح أن توقيت القرار المفاجئ الخاص بالتعريفات الجمركية، كان مرهوناً باعتبارات سياسية، تتعلق بسعي البيت الأبيض والجمهوريين للقيام بمحاولة أخيرة، لتجنب خسارة محرجة في الانتخابات الخاصة يوم الثلاثاء في دائرة الكونجرس بولاية بنسلفانيا المؤيدة للجمهوريين، والتي كان ترامب قد فاز فيها بفارق 20 نقطة عام 2016. وأمعن ترامب في استفزاز أنصار التجارة الحرة، عندما غرد قائلاً: «الحروب التجارية جيدة، ويسهل كسبها». وحصل ترامب على ردود الفعل الصاخبة التي كان يتوقعها، حيث قام جاري كوهن الذي ترك جولدمان ساش، كي يرأس المجلس الوطني الاقتصادي التابع لإدارة ترامب، بالاستقالة من منصبه احتجاجاً على ذلك القرار. كما انضم العديد من كبار الجمهوريين إلى قادة الأعمال في شجب التعريفات، قائلين إنها «ستكلف أميركا فقداناً للوظائف» كما «ستؤدي حتماً لارتفاع الأسعار»، وإلى «تدمير مجتمعاتنا المحلية الزراعية». أما شبكتا «إم إس إن بي سي»، و«سي إن إن» فشجبتا القرار على الفور، واستضافتا طائفة من الخبراء الذين انتقدوا الحمائية. وانضم بعض الديمقراطيين إلى السجال الصاخب، حيث اتهم بعضهم ترامب بـ«إطلاق حرب تجارية شاملة» على حلفاء الولايات المتحدة، فيما لم يعترض بعضهم الآخر على تلك التعريفات، وإن كانوا قد دعوا إلى إعادة تفكير شاملة في السياسة التجارية الأميركية عموماً. والحقيقة أن ذلك كله يبدو لغطاً مبالغاً فيه، حول أمر لا يستحق كل هذا الاهتمام. فطاقة الإنتاج الزائدة للصلب، والمستمرة بسبب الإعانات الحكومية، خصوصاً في الصين، كانت تمثل عنصر قلق متنام في الاقتصاد العالمي منذ وقت. والتعريفات التي فرضها ترامب لجعل ساحة اللعب مستوية لا تميل لطرف دون الآخر، ولا تمثل تراجعاً نحو الحمائية. فالرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، الذي يمكن بالكاد وصفه كأحد أنصار الحمائية، كان قد فرض تعريفات جمركية أعلى عام 2002، لم تؤد، كما يتوقع المتشائمون، إلى إثارة حرب تجارية كبيرة. لكن هذه التعريفات، وإن كانت لن تحدث ذلك القدر من الضرر الذي يتوقعه النقاد، فإنها كذلك لن تحقق خيراً كثيراً. ومناورة ترامب الخاصة بالتعريفات هي من حيله الكلاسيكية، فخلال حملته الانتخابية كانت وعوده الشعبوية بشأن التجارة؛ الوعد بمواجهة الصين وتمزيق معاهدة التجارة الحرة مع أميركا الشمالية وغيرها من الاتفاقيات التجارية السيئة، ذات أهمية مركزية لخطابه الموجه للعمال في المجتمعات الصناعية التي أضر بها إغلاق المصانع. لكن، ومنذ انتخابه، كان كل ما قام به ترامب يندرج في باب المظهرية التي ليس بها من الجوهر سوى القليل. فوعده بمواجهة الصين وضع على الرف منذ يومه الأول في البيت الأبيض. صحيح أن ترامب حظي باهتمام الصحف بسبب الصفقة التي وقعها مع شركة «كاريير» والتي ادعى أنها ستمنع الشركة من نقل 1000 وظيفة إلى المكسيك. لكن ما حدث بعد أن غادرت الكاميرات، هو أن الشركة قامت بالاستغناء عن خدمات 500 عامل وموظف. كما تباهى ترامب بانسحابه من اتفاقية الشراكة عبر الهادئ، التي كان سلفه باراك أوباما يؤيدها، رغم أن الديمقراطيين كانوا هم الذين قتلوا الاتفاقية في الكونجرس. خلال عامه الأول في البيت الأبيض، وصل العجز التجاري في البضائع والخدمات إلى رقم مذهل وهو 566 مليار دولار، وهو أعلى رقم يصل إليه العجز التجاري منذ عام 2008. كما نما العجز التجاري مع الصين وحدها بنسبة 8% ليصل إلى 375 مليار دولار. وهو ما دعا الرئيس للتغريد قائلاً إنه طالب الصين بأن تخفض مليار دولار من هذا الرقم، وفيما بعد تبين أنه كان يقصد أن يقول 100 مليار دولار! وفي حين أن المواقف المظهرية تجتذب عناوين الصحف الرئيسية، فالحقيقة هي أن ترامب قام وبهدوء بتحريف القواعد كي تميل أكثر ضد العمال. فحتى إذا ما جرى تطبيق التعاريف وتوسيعها فلن يكون لهما سوى تأثير يكاد لا يذكر مقارنة بما ضمّنه الجمهوريون والرئيس في مشروع قانونهما للضرائب، والذي أعطوا بموجبه الشركات التي حققت أرباحاً ودفعت الوظائف للرحيل إلى ما وراء البحار تجنباً للضرائب، مبلغ 500 مليار دولار في صورة إعفاءات ضريبية. وفي التجارة، كما في وعوده للعمال بشأن الرعاية الصحية «هيلث كير»، والعناية الطبية «ميدي كير»، والضمان الاجتماعي، وتمرير خفض ضريبي يفيد العمال، وإنهاء حروب من دون نصر، وأكثر من ذلك، فما يقوله ترامب يندرج في إطار الدعاية. لذلك يجب على الديمقراطيين ووسائل الإعلام أيضاً، ألا يتشتت انتباههم بهذا الأداء المظهري الذي يقوم به ترامب، وأن يعملا بدلاً من ذلك على إظهار الحقيقة المختفية وراء الستار. ---------------------- *رئيسة تحرير وناشرة مجلة «نيشن» ---------------------------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»