صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

«كيم» الماكر.. لماذا يقبل السلام؟

قل ما شئت عن الزعيم الكوري الشمالي «كيم جونج أون»، مثل أنه كبير اللصوص في حكومة لصوص تديرها أسرته، وأنه مثل والده وجده، يترك شعبه جائعاً كي يحقق ما يريد، وأن التعذيب والقتل من الأدوات المفضلة في دولته.. لكنه رغم كل هذا ليس غبياً.

وبالإعلان عن اجتماع قمة بين زعيمي الكوريتين كمقدمة محتملة لمحادثات مع إدارة ترامب، يناور كيم في سبيل انتصار لم يكن يدخل إلا في إطار أحلام أجداده، وهو العضوية في المجتمع الدولي وبشروط كوريا الشمالية. وقد تقع أخطاء كثيرة، لكن طريق كيم إلى الأمام يبدو واضحاً إلى حد كبير. والخطوة الأولى تتمثل في تقدمه السريع نحو التقارب مع كوريا الجنوبية. فقد أسفر انهيار حكومة المحافظين العام الماضي في سول عن رئيس كوري جنوبي جديد هو «مون جاي. إن»، يفضل تحسين العلاقات مع كوريا الشمالية. ورد كيم على هذا بالسعي سريعا إلى استكمال اختبار صواريخه الباليستية العابرة للقارات قبل مفاتحة احتفالية بالسلام ارتبطت بدورة الألعاب الأولمبية الشتوية بالقرب من المنطقة منزوعة السلاح.

وهذا أدى في المقابل إلى زيارة نادرة من مبعوثي الرئيس الكوري الجنوبي لبيونجيانج. وعاد المبعوثون إلى سيول يوم الثلاثاء الماضي بخطط لاجتماع يُعقد نهاية أبريل، وفيما يبدو أنه مناورة كيم التالية. وذكر مدير الأمن القومي في حكومة «مون» أن مسؤولي كوريا الشمالية قدموا مذكرة تفاهم بشأن المزيد من الاختبارات النووية والصاروخية، مقابل محادثات «من القلب للقلب» مع الولايات المتحدة. ولوح نظام كيم أيضاً بفكرة التخلي عن أسلحته النووية تماما إذا تم ضمان سيادة وسلامة كوريا الشمالية. وكتب الرئيس دونالد ترامب في تغريدة على «تويتر» قائلا في حذر محمود: «سنرى ماذا سيحدث». ومن المؤكد أن ترامب سيواجه انتقادات بشأن إجراء محادثات جديدة بين واشنطن وبيونجيانج. وكثير من هذه الانتقادات سيشير إلى احتمالات الخداع المتقنة من كوريا الشمالية. فقد دأبت أسرة كيم عبر التاريخ على تقديم الوعود لكنها لا تفي بها عادة.

لكن ترامب ليس أمامه خيارات كثيرة، فالتلويح بجزرة الأمن والسيادة يقابله التلويح بالعصا العسكرية، بيد أن هذه العصى نفسها لدى كوريا الجنوبية. والضرب بالعصي يتطلب مساعدة من حلفائنا في الخطوط الأمامية. لكن «سيول» لا تؤيد الحل العسكري. ويستوعب كيم فيما يبدو أن الولايات المتحدة تكاد لا تقوى على تعريض كوريا الجنوبية لحرب من المحتمل أن تكون كابوسية دون دعم من «مون». وبالتالي فإن التقارب بين كيم وكوريا الجنوبية سيؤدي على الأرجح إلى محادثات جديدة في نهاية المطاف. وحين يحدث هذا ستتغير ثلاث حقائق مهمة عن المرات السابقة.

وأولى هذه الحقائق، أن أسلحة كوريا الشمالية النووية ستكون أمراً واقعاً قد تحقق ولم يعد احتمالية يمكن تفاديها. وبالتالي يصبح موقف كيم التفاوضي أقوى بكثير. ويستطيع أن يستهدف التوصل إلى تسوية دائمة وليس مجرد هدنة لالتقاط الأنفاس. وثاني هذه الحقائق، أن كيم يتطلع إلى الصين المجاورة باعتبارها نموذجا يحتذى. فلطالما اعتقدت أسرة كيم أن التحديث يهدد قبضتها على السلطة، ولذا أغلقت الأبواب وجعلت البلاد مملكة منعزلة عن العالم. لكن «شي جين بينج» رئيس الوزراء الصيني، يحاول إثبات أن التحرير الاقتصادي يمكنه أن يتعايش مع الاستبداد السياسي. وقد يرى كيم أن بوسعه الحفاظ على السلطة دون عزل بلاده.

وثالث هذه الحقائق، أمام كيم فرصة لتحقيق أمن أكبر من أي وقت مضى. فالأمر يبدو كما لو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ينتظر بفارع الصبر من أجل إقامة خط أنابيب للغاز الطبيعي يعبر كوريا الشمالية لينقل الطاقة إلى الجنوب المتعطش للوقود. ونحى بوتين المشروع جانبا بسبب جنوح كيم نحو تصنيع الأسلحة النووية وبسبب العقوبات الدولية المفروضة على بيونجيانج. لكن إذا أزالت المحادثات مع الولايات المتحدة أكثر القيود صرامة، فمن المؤكد أن يجري إحياء مشروع بوتين. وإذا اكتمل المشروع، فستمثل الأنابيب أصلاً روسياً استراتيجياً كبيراً وستمثل تأميناً كافياً ضد قيام الولايات المتحدة بهجوم على كوريا الشمالية.

وهذ الحقائق تشير إلى أنه من الممكن التوصل لحل للمأزق النووي، لأن كيم لا يستفيد شيئا من تصعيد الاستفزازات. وانفجارات غضب كيم السابقة وضعته في موقف جديد وربما يستطيع على الأرجح أن ينهي هذه المرحلة. وعلى الجانب الآخر، فإن احتمال ظهور كوريا الشمالية كدولة طبيعية يؤكد على التحدي الأطول أمدا للولايات المتحدة. فهل يقضي خفض التصعيد على الأساس المنطقي للقواعد العسكرية الأميركية في الجنوب؟ لا شك أن الصين وروسيا ستسعدهما رؤية الأميركيين وهم يغادرون. وأكثر السعداء سعادة سيكون «كيم جونج أون»، المتهور والخطير والقاسي، الذي ربما يكون ماكراً كثعلب.



ديفيد فون دريهل

كاتب أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟