دولة الكويت، تُشكر على السابق واللاحق من جهودها الكبيرة والمضنية، تلك التي تبذلها في سبيل الأمة العربية، على ما في هذه الأمة من تجزئه وتبعيّة وعذابات لا تنتهي، التعامل معها يورّث الصداع أحياناً، والأسى في أغلب الأحيان، لكأن قدر دولة الكويت أن تكون في صميم المشكلات القوميّة؛ فهي تريد أن تحافظ على مجلس التعاون الخليجي، متماسكاً قوياً ومتنامياً، تجاه الوحدة الخليجية - الحلم، وتكافح لتحقيق هذه الغاية؛ فهي تنظر إلى مجلس التعاون الخليجي، على أنه درعها الأول الواقي للصدمات، من قريب كانت تلك الصدمات أم من بعيد، من وراء الماء. وهي تريد في الوقت ذاته، أن تحافظ على هذه الأمة العربية، متحدةً قويةً وكريمةً، وإن عزَّ ذلك، فتماسك دولها الوطنية من الانهيار، أمام الريح الجارفة، وإن صعب ذلك واستحال، فأضعف الإيمان، امتلاك خزين القدرة الاستراتيجي، لمداواة الجروح، وجبر الكسور والخواطر، وتنقية النفوس، وإعادة ضخ الروح في الأوصال المتعبة لجسد الأمة، والعودة مجدداً إلى مهنة تربية الأمل. قدر الكويت أن تظل منسجمة مع شعارها وتاريخها، وألاّ تتعب من حمل صخرة (سيزيف) والوصول بها إلى القمة. الكويت دولة لا مانع لديها أن تبدأ أي موضوع، وللمرة الألف، من المربع الأول. قدرها أن يجدد خطاها، على درب وعر وطويل، صدق سعيها العروبي، ونواياها الخيِّرة من أجل (بلاد العُرب أوطاني). غادرت الكويت الشهر الماضي، قبل انعقاد (مؤتمر إعمار العراق) بيوم واحد، وفي المطار قرأت لافتة، تدعو إلى (مؤتمر الاستثمار في العراق)، وبدا لي - كما لغيري - أن الإعمار والاستثمار اجتمعا في مؤتمر واحد. عُقُد وانتهى، وجاءت نتائجه أقل من المتوقع، على مستوى المنح (33 مليار دولار)، وعلى مستوى الاستثمار المباشر أيضاً، وذلك بحسب المراقبين والمهتمين، بينهم عراقيون. في المؤتمر مَنح من منح، لكن عند الاستثمار كان التردد، ولذلك أسباب وجيهة، الحديث فيها يطول، وينطوي على شيء من الألم. الاستثمار لا يذهب إلا حيث الاستقرار السياسي والأمني، إلى حيث يضمن حمايته، وحركته السلسلة من الداخل إلى الخارج، وبالعكس، تعزز ذلك حزمة من الإجراءات والقوانين، وهذا ما لم يستطع العراق أن يكون فيه مقنعاً، لم يستطع أن يُشعر المشاركين في المؤتمر، بأن الاستثمار على أرضه سيكون آمناً، ورغم محاولته بقيت ظلال الشك لم تتبدد، بأن الصورة التي رسمتها له التقارير الدولية - خاصة تقارير الشفافية - لا تعكس الواقع على الأرض، وأن عليهم ألا يصدقوا أنه البلد الأول في قائمة الفساد على مستوى العالم، كما بثت ذلك قناة (مونت كارلو) الفرنسية، يوم 4 مارس الماضي، في مقابلة أجرتها مع الباحث العراقي د. صباح الخزعلي، الذي قال (إن ميزانية العراق لهذا العام تعاني من عجز بلغ 18 مليار دولار، وأن ليس بمقدور الحكومة توفير ميزانية يمكنها معالجة المشكلات القائمة في البلاد، وأن علّة العراق تكمن في الفساد الإداري والمالي). وخلال رحلة الطيران التي استغرقت ساعة، من الكويت إلى الشارقة، كنت أفكر في العراق وأتساءل: كيف يمكن له أن يصبح بلداً مستفيداً من حصيلة المنح ؟ وهل يكفي هذا الرقم من المنح كي يعدّل من وضعه شيئاً ؟ لكي في الأقل، يصبح بعد فترة، بلداً مفيداً لنفسه وشعبه أولاً، ثم لمحيطه العربي والعالمي. ولو افترضنا جدلاً، أن أموالاً استثمارية طائلة دخلت غداً البنوك العراقية، فما سيكون مصيرها وتلك البنوك محلية، أغلب معاملاتها مرتبطة بطهران فقط؟ عملياً، هل سيكون العراق هو المستفيد الوحيد؟