مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان «كايسيد»، دعا إلى لقاء في عمّان لمناقشة فكرة إطلاق منصة إقليمية للتعاون بين المؤسسات الدينية في العالم العربي ـ ـ ـ ــ إميل أمين* ـ ـ ــ ــ ما الدور الذي يلعبه الدين ورجالاته ومؤسساته في حاضرات أيامنا؟ الشاهد أنه منذ نهاية سبعينيات القرن المنصرم، ونحن نرى ما يشبه الردة العنيفة ضد العلمانية وعودة عميقة إلى ميناء الدين، سواء كان ذلك في الشرق الأوسط، أوروبا أو الولايات المتحدة الأميركية. يرصد المؤلف الأميركي «دايفيد ج. روثكوبف» في مؤلفة الشهير «الطبقة الخارقة» عدة ظواهر ومظاهر للتجليات الدينية خلال العقود الأربعة الماضية لاستعلان المؤسسات الدينية كموجه للسياسات العامة وفي أحيان كثيرة كصانع لها. في الشرق الأوسط رأينا مداً تصاعدياً لحركات الأصولية الإسلاموية، أما في الولايات المتحدة الأميركية فقد تم انتخاب رئيس معمداني إنجيلي «جيمي كارتر» وتابع الأميركيون بالملايين العظات المتلفزة للمبشر «جيري فالويل» وغيره من رجال الدين، ومن هنا نشأت تيارات «اليمين» الأصولي الإنجيلي. في أوروبا ازدهرت الكاثوليكية وانتشرت من جديد في جميع أرجاء العالم خلال رئاسة «يوحنا بولس الثاني» أشهر بابا في العصر الحديث. كان الواقع السابق مدعاة لتساؤل الكثيرين: «كيف لنا أن نعظم من القوة والقيمة الإيجابية للدين ورجالاته في عالمنا المعاصر، وبنفس القدر نقلص من مساحات الصدام والخصام، التي يمكن أن تمثل ثغرات ينفذ منها البعض ليحيل نهار العالم إلى قلق وليله إلى أرق؟ الأيام القليلة الماضية دعا (مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات) «كايسيد»، ومقره العاصمة النمساوية فيينا إلى لقاء في العاصمة الأردنية عمّان لمناقشة فكرة إطلاق منصة إقليمية للحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية في العالم العربي. وبحسب «كايسيد»، ومن خلال نقاشات رجالات الدين الذين شاركوا أعمال اللقاء من مسلمين ومسيحيين، فإن الأحداث المؤلمة التي يمر بها العالم العربي منذ عقدين أدت إلى تهديد حقيقي لتنوع النسيج الاجتماعي بالإضافة إلى كونها تُشكل خطراً حقيقياً للتعايش السلمي والتماسك بين المكونات الدينية في المنطقة. في هذا الإطار الحياتي المضطرب والمجافي والمنافي للتعايش الإنساني الواحد بين اتباع الأديان في تلك الرقعة الجغرافية من الأرض، التي خصها المولى سبحانه وتعالى بكل الرسالات السماوية بات من الواضح أن هناك أمرين حاسمين: الأول هو أهمية دور القيادات والمؤسسات الدينية ونشطاء الحوار في تعزيز التماسك الاجتماعي والعيش المشترك وثقافة المواطنة الحاضنة للتعددية والتنوع. الثاني: الحاجة الماسة لآلية إقليمية لتنسيق الجهود وتطوير استراتيجيات عمل وبرامج تعزز ثقافة الحوار، وكذا تؤسس لخطاب ديني يحض على التعايش والانفتاح، ويغرس قيم التعددية والتنوع. أدركت «كايسيد»، ومنذ نشأتها قبل بضع سنوات أن هناك أهمية كبيرة لإحياء وتوظيف إرث التآخي والتعايش السلمي بين أتباع الأديان والثقافات في منطقتنا العربية بداية، وفي أرجاء العالم الفسيح تباعاً، وهو تعايش يشهد عليه ألف وأربعمائة عام خلت، وربما لم تكن بالمطلق صفاء زلالاً، لكن بدرجة أو بأخرى استطاع الجميع قهر الصعاب، وتخطي الحواجز، وبناء الجسور التي تضمن الحقوق الأساسية للإنسان وكرامته بغض النظر عن انتمائه الديني والثقافي والعرقي. لكن كيف الوصول إلى هذه الرؤى الإيجابية الخلاقة؟ خلال اجتماع عمّان المشار إليه، اتفق الأعضاء على تأسيس إطار تعاون جامع تحت تسمية «المنصة الإقليمية للحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية في العالم العربي»، هذه المنصة تعمل على تجنيب شعوب المنطقة ويلات الحرب والتطرف والعنف خاصة باسم الدين، وتسعى في غرس قيم الحوار والتعايش السلمي والمواطنة المشتركة. عطفاً على ذلك، فإن من أهم أهدافها توحيد الجهود لتحقيق الأهداف المشتركة والمساهمة بصفة فاعلة في مواجهة التحديات الراهنة وترسيخ السلم والتماسك الاجتماعي في المنطقة، ومن ثم العمل معاً على تعزيز الاعتدال والتفاهم بين الشعوب والشرائح الاجتماعية، عن طريق حوار هادف وصادق مبني على إرادة العيش المشترك والتعاون. يمكن القطع بأن منصة الحوار والتواصل هذه التي تسعى «كايسيد» إلى بلورتها تمثل قيمة مضافة لمجتمعاتنا العربية في الفضاء الاجتماعي الحاضن للتنوع الديني والثقافي تحت مظلة المواطنة المشتركة. لم يتوقف مشاركو لقاء عمّان من قيادات دينية مسيحية وإسلامية عند حدود التنظير الفكري للمنصة، بل خرجوا إلى رحابة العمل الواقعي على الأرض من خلال الإشارة إلى حزمة مشاريع وبرامج ستتجلى على الأرض العربية في القريب العاجل، وجل هدفها تعزيز التواصل بين القيادات والمؤسسات الدينية بداية، وبين نشطاء الحوار في المنطقة، هؤلاء وأولئك يمكن لهم أن يصبحوا حائط صد منيعاً في مواجهة غوائل التطرف والإرهاب التي يعاني العالم منها شرقاً وغرباً. منصة «كايسيد» المقترحة تسعى جاهدة لتمتين العلاقة بين القيادات والمؤسسات الدينية وصانعي السياسات على الصعيدين الوطني والدولي من أجل تحقيق الأهداف المشتركة وبالقدر نفسه تعمل على تطوير خطط عمل وبرامج نوعية تساهم في تعزيز التعايش السلمي ودعم المواطنة المشتركة على الصعيدين المحلي والإقليمي. وفي الطريق إلى خلق عالم متناغم لا متصارع ترحب «كايسيد» بإعلانها دعم تلك المنصة لتزويد نشطاء الحوار والقيادات الدينية ومؤسساتهم بما يلزم لدعم التفاعل بين الشعوب وتعزيز قدراتها لبناء التماسك الاجتماعي المضاد لتفكيك الدول وتفخيخ الشعوب من منطلقات دينية. الخلاصة... كايسيد طريق للوفاق لا للفراق، للنماء لا للفناء، والدين لله والأوطان للجميع. ‏?