صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

«ليين»: صناعة ميركل.. من «إنجرليك» إلى «الأزرق»

«سنستمر في محاربة (داعش)، وسنظل إلى جانب المجتمع الدولي في مهمته من أجل مكافحة الإرهاب حتى استقرار المنطقة». هذا ما قالته وزيرة الدفاع الألمانية «أورزولا فون دير ليين»، السبت الماضي، خلال زيارة أدتها رفقة نواب من البرلمان الألماني، لجنود بلادها المتمركزين في الأردن ضمن قوات التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» الإرهابي. وتعهدت دير ليين باسم الحكومة الألمانية الجاري تشكيلها، بتزويد الجنود الألمان في الخارج بمعدات وتدريبات أكثر تطوراً وكفاءة، ومنهم الجنود المتواجدون في «قاعدة الأزرق» بالأردن بعد نقلهم إليها من قاعدة إنجرليك التركية العام الماضي. لكن ألا يعكس تعهد ليين باسم حكومة قيد التشكل شعوراً سياسياً بالثقة وبقوة رسوخ موقعها الحزبي؟

تنتمي «ليين»، السياسية والطبيبة والأكاديمية الألمانية، إلى «حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل، وقد سبق أن دخلت البرلمان، كما تولت حقيبتي الأسرة والعمل في حكومة ميركل.

وقد ولدت «جيرترود أورزولا فون دير ألبرشت» في بروكسل عام 1958، لوالدها إرنست ألبرشت، الزعيم السياسي البارز الذي ترأس إقليم سكسونيا السفلى بين عامي 1976 و1990. وقد أمضت طفولتها في بلجيكا، وهناك انضمت إلى «المدرسة الأوروبية» حيث درست باللغتين الألمانية والفرنسية، وأصبحت طالبة في كلية الاقتصاد بجامعة غوتنغن، ثم بجامعة مونستر بداية من عام 1977، قبل أن تدرس الطب في جامعة هانوفر بدءاً من عام 1980، لتصبح طبيباً مساعداً في عام 1988، ثم تنال شهادة الدكتوراه عام 1991 لتغادر ألمانيا في العام التالي نحو الولايات المتحدة، حيث درست الاقتصاد في جامعة ستانفورد بسان فرانسيسكو. وبعد عودتها إلى ألمانيا عملت مساعد باحث في الطب الاجتماعي بجامعة هانوفر عام 1998.

أما بداية مسيرتها السياسية فكانت مع انتسابها لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» عام 1990، أو حتى بعد ذلك في عام 2001 حين انتخبت على قوائمه عضواً في المجلس البلدي لمنطقة هانوفر. ثم انتخبت في فبراير 2003 عضواً في برلمان إقليم سكسونيا السفلى، وفي مارس عُيِّنت وزيرةً للشؤون الاجتماعية والمرأة والأسرة والصحة ضمن أول حكومة للإقليم يقودها ائتلاف «الأسود والأصفر» برئاسة كريستيان وولف عن «الاتحاد المسيحي الديمقراطي».? وفي صعود آخر، انضمت ليين في عام 2004 إلى الرئاسة الاتحادية لحزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، لتتوثق علاقتها بميركل، إذ أصبحت ضمن فريق حملتها للانتخابات الاتحادية عام 2005. وفي نوفمبر من العام ذاته، عقب فوز تحالف «الأسود والأصفر»، أصبحت ليين وزيرةً لشؤون الأسرة وكبار السن والنساء والشباب في الحكومة الجديدة برئاسة ميركل. وفي منصبها الجديد شجعت ليين تطوير دُور الحضانة لتمكين المرأة من الجمع بين العمل وتربية الأطفال، وأيدت حجب المواقع الإلكترونية الإباحية، وقدمت مشروع قانون يسمح للوالدين بالتوقف عن العمل مع الحصول على راتب شهري بنحو 1800 أورو خلال الأشهر الـ14 الأولى لمولودهما. ?وربما ساعدتها إنجازاتها في الوزارة على دخول البرلمان للمرة الأولى في انتخابات عام 2009، حيث فازت ضمن قوائم حزبها، لتدخل الحكومة الجديدة وزيرةً للعمل والشؤون الاجتماعية. بل طرح اسمها في مايو 2010 عقب استقالة الرئيس «هورست كولر»، كمرشحة محتملة لائتلاف «الأسود والأصفر» في الانتخابات الرئاسية المبكرة، لكن التشكيلات الثلاث ضمن الائتلاف الحاكم فضلت في الأخير «كريستيان وولف» كمرشح توافقي. بيد أنه تم انتخاب ليين خلال المؤتمر الـ23 لـ«الاتحاد الديمقراطي المسيحي»، في 15 نوفمبر 2010، نائبةً لرئيسة الحزب (ميركل) بنسبة 85% من الأصوات.

وفي الحكومة الثالثة لميركل، أصبحت ليين وزيرة للدفاع في ديسمبر 2013، فكانت أول امرأة في ألمانيا تشغل حقيبة الدفاع، لتشرف على «قوات الدفاع الفيدرالي» (البوندسور)، والتي تخضع في زمن السلم لوزير الدفاع، المدني الوحيد الذي يحق له توجيه الأوامر للعسكريين. وتتكون «البوندسور» من 181 ألف عسكري يتوزعون على القطاعات البرية والبحرية والجوية، إضافة إلى الخدمة الطبية المركزية، وخدمة الإمداد والتنظيم. كما يدير وزير الدفاع الميزانية العسكرية لألمانيا، والبالغة 32.4 مليار أورو، ويشرف على القوات العسكرية ألمانية في الخارج، ومنها القوة المؤلفة من ألف رجل في كوسوفو، والقوة العسكرية الألمانية في قندوز بالشمال الأفغاني (سبق أن زارتها ليين أربع مرات)، بالإضافة إلى القوات الألمانية في قاعدة الأزرق الجوية (موفق السلطي) بالأردن.

وفي قاعدة الأزرق، أكدت لايين، السبت الماضي، ضرورة الحيلولة دون توطن «داعش» مجدداً في المناطق التي تمت استعادة السيطرة عليها، لأن «الخلافة الافتراضية لم تُهزم بعد». وقالت إن مهمة المجتمع الدولي في مكافحة «الإرهاب الإسلامي»، أي مهمة إحلال الاستقرار طويل المدى في المنطقة، ستستمر لوقت إضافي. ويشارك الجيش الألماني انطلاقاً من قاعدة «الأزرق» في العمليات العسكرية لقوات التحالف الدولي لمكافحة «داعش» بأربع طائرات استطلاع من طراز «تورنادو» وطائرة تزود بالوقود و320 جندياً. وكان الجيش الألماني يشارك في هذه المهمة من قاعدة «إنجرليك» الجوية التركية التابعة للناتو. لكن العلاقات بين ألمانيا وتركيا تدهورت خلال العامين الماضيين على وقع سلسلة من الخلافات السياسية المتتالية، لاسيما عقب رفض ألمانيا طرد العسكريين الأتراك الفارين الذين تطالب بهم أنقرة، وكذلك ناشطي «حزب العمال الكردستاني» المصنف إرهابياً من قبل تركيا. ورداً على ذلك منعت أنقرة، في منتصف مايو الماضي، نواباً ألماناً من زيادة إنجرليك لتفقد قوات بلادهم، فوصفت المستشارة الألمانية ذلك الإجراء بـ«المؤسف»، كما تعهدت بـ«البحث عن بدائل لإنجرليك، بما في ذلك الأردن». وفي أوج الأزمة الدبلوماسية بين البلدين، أعلنت ليين، في 5 يونيو، أن برلين مستعدة لنقل قواتها من إنجرليك، وأنها حددت قاعدة الأزرق الأردنية كخيار بديل. وفي 21 من الشهر ذاته وافق البرلمان الألماني (البوندستاغ) على نقل القوات من إنجرليك إلى الأزرق. وفي مطلع أكتوبر أعلنت وزارة الدفاع الألمانية اكتمال عملية نقل جنودها الـ350 إلى الأردن.

وعلى خلفية الهزيمة التي مُنيَّ بها «داعش» في سوريا والعراق، توصل تحالف الحزبين «الاتحاد المسيحي» و«الاشتراكي الديمقراطي»، وفقاً لمذكرة تشكيل ائتلاف حكومي منشورة الجمعة الماضي، إلى تخفيض الحد الأقصى لعدد الجنود الألمان المشمولين بتفويض مهمة مكافحة «داعش»، والبالغ في حده الأعلى حالياً 1200 جندي.

ويبدو أن لايين على ثقة هذه المرة من نجاح مساعي المستشارة ميركل لتشكيل حكومة جديدة، ولعلها واثقة من وجودها شخصياً ضمن التشكيل المرتقب، إذ سبق أن ألغت زيارة للأزرق كانت مقررة في نوفمبر الماضي، نظراً لمأزق تشكيل الحكومة الألمانية عقب الانتخابات العامة في سبتمبر الماضي. لكن بما أن عجلات التفاوض على التشكيل الحكومي قد أصبحت على قضبان السكة، وباعتبار الثقة التي تحظى بها لايين داخل الحزب ولدى ميركل شخصياً، فقد قامت أخيراً وزيرة الدفاع في حكومة تسيير الأعمال بزيارتها الموعودة لـ«الأزرق»، متعهدةً باسم الحكومة المقبلة، دون تلعثم ولا تردد! وبدلالة من هذه التعهدات، وقبل ذلك بدلالة إسناد حقيبة الدفاع إليها، واحتفاظها بالحقيبة منذ أربع سنوات.. ينظر المحللون إلى ليين ليس فقط بوصفها وزيرة الدفاع في الحكومة المقبلة، ولكن أيضاً باعتبارها المستشارة الألمانية القادمة بعد صانعتها «ميركل».



محمد ولد المنى

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟