هل يتوجب على مصر والمصريين أن يدفعوا من جديد ثمن دعمهم للقضية الفلسطينية عامة ولمدينة القدس بنوع خاص؟ دون أي شوفينية يعرف القاصي والداني ما قدمته مصر طوال سبعة عقود، والأكلاف العالية والغالية التي تحملتها من دماء أبنائها واقتصادها، ومع ذلك لم تفاخر أو تجاهر مصر أبداً بهذا الدور، وإذا تطلب الأمر ما هو أكثر ستبلي النداء. لم يكن لمصر أن تقف صامتة أمام قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخير تجاه القدس، فتحركت في مجلس الأمن وتالياً في الجمعية العمومية للأمم المتحدة، في تصويت أظهر أن هناك لا تزال بقية باقية من أصحاب الضمائر النزيهة لا يرضون ظلماً أو يقبلون ضيماً. على أن علامة الاستفهام المزعجة في الكثير من الأوساط المصرية اليوم: «هل ستواجه مصر ثورة أميركية انتقاماً منها على الدور الذي لعبته؟ استمعنا جميعاً لتصريحات السيدة نيكي هالي، المليئة بالمواقف العنصرية تجاه الذين سيصوتون لصالح القرار، فيما رئيسها ترامب مضى إلى أبعد من ذلك، بمعنى أنه تحدث مباشرة مهدداً ومتوعداً بقطع المعونات التي تقدمها أميركا للدول التي ستصوت إيجابياً، في مشهد غير مسبوق وبعلنية غير معتادة في الحياة السياسية الأميركية. تهديدات ترامب تعود بنا إلى دائرة العلاقات الأميركية المصرية، وهل هي قاصرة على حفنة دولارات تتلقاها مصر من واشنطن، أم أنها أوسع من هذه النظرة الضيقة، وعليه ينبغي البحث في عمق المشهد من واشنطن إلى القاهرة. الحديث أكبر من أن تشمله السطور التالية، غير أنه دون اختصار مخل نشير إلى أن واشنطن تعلم أهمية مصر في المنطقة كرمانة ميزان للاستقرار الذي يهمها لأسباب كثيرة ليس أقلها الحفاظ على أمن إسرائيل، وتدفقات النفط، والآن تكاد الحرب الباردة، وصراع الأقطاب يحتدم ثانية مضيفاً قطباً جديداً هو الصين، لم يكن قائماً في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. عشية توقيع اتفاقية كامب ديفيد في البيت الأبيض، همس آنذاك مدير الاستخبارات المركزية الأميركية في أذن أحد مستشاري الرئيس السادات، الدكتور علي السمان، رحمه الله، بالقول:«لقد خسرنا مصر ربع قرن، ولن نسمح بأن نخسرها مرة ثانية». مياه كثيرة جرت في الجداول بين القاهرة وواشنطن، فقد تأزمت العلاقات بشكل واضح منذ 2005 وإلى حين نهاية ولاية بوش الابن الثانية، ومع مجيء باراك أوباما إلى الرئاسة الأميركية وزيارته التاريخية لمصر خيل للناظرين أن عهداً من الصفاء والرخاء سيسود، ولم يكن أحد يتخيل أن إدارة أوباما ستطالب مبارك بالرحيل بعد. انتهى زمن إدارة أوباما ولا تزال الأسئلة معلقة عن علاقة الرجل بجماعات الإسلام السياسي حول العالم كافة، و«الإخوان» بنوع خاص، وهناك أحاديث عديدة عن صفقة كان يجري الإعداد لها بموافقة مرسي و«الإخوان» هدفها توطن الفلسطينيين من أهل غزة في سيناء، في مقابل مبلغ مالي كبير تردد أنه ثمانية مليارات دولار. ومع مجيء دونالد ترامب بدا وكأن هناك كيمياء جيدة جداً تجرى بها المقادير بين الرئيس السيسي وبين نظيره الأميركي، غير أن هناك أذناباً في الداخل الأميركي، ربما بعيدين عن ترامب ودائرة نفوذه، لم ولن يحملوا الخير لمصر ولا لشعبها وتحمل نواياهم توجهات مليئة بالمخاطر في القريب العاجل. أحد أهم الأسئلة التي لا تزال مطروحة على مائدة البحث والنقاش:«ما علاقة أميركا بالجماعات الإرهابية وبنوع خاص تنظيم داعش؟». صور «ماكين» السيناتور الأميركي الأشهر مع أبوبكر البغدادي، تفتح المجال واسعاً لتأويل وتفسير الأحاديث، وقد قدم الروس للعالم العديد من الأدلة التي بينت وبجلاء تام كيف أن بقايا «داعش» تم تهريبهم وتسريهم إلى تركيا تحت سمع وبصر القوات الأميركية. ما تقدم يلقي بتبعاته على الإرهاب الذي نراه في سيناء أرض الفيروز، وعن داعميه، وهل هم ليسوا إلا أداة من أدوات الإمبريالية الغربية عامة والأميركية خاصة لتحقيق أهداف لم تعد تخفى على أحد. بصراحة مطلقة هل سنرى «الثور الأميركي» في محل الخزف في سيناء، وربما في غيرها من المدن المصرية الكبرى انتقاماً من دور مصر في أزمة القدس الأخيرة؟ رسمياً تتحدث مصر على لسان وزير خارجيتها السيد سامح شكري بالقول إن:«علاقتنا استراتيجية مع أميركا، ولا تتأثر بالاختلاف في وجهات النظر، وهي على قدر من التشعب والعمق، ومن العناصر المختلفة التي تجعل الطرفين حريصين على أن يسيرا بها في منحى من الإيجابية». يمكن القطع بأن الحديث المتقدم صحيح جملة وتفصيلاً، لكن ذلك لا يمنع البعض من الربط بين تصويت مصر في الأمم المتحدة ومهاجمة مطار العريش العسكري، حيث كان وزيرا الدفاع والداخلية المصريان يتفقدانه، والسؤال من زود هؤلاء بالمعلومات والخرائط والمواقيت؟ ومن وفر لهم أسلحة متقدمة تصيب بدقة عالية؟ مصر تعيش هذه الأيام تجربة تنموية تشابه تجارب سابقة منذ زمن محمد علي، مروراً بجمال عبد الناصر، ووصولاً إلى عبد الفتاح السيسي، تجربة من الازدهار القائم على العمل الجاد والخلاق، والاهتمام بسيناء على نحو خاص. تصريحات السيسي في الإسماعيلية بشأن سيناء، واستعداد المصريين للموت زوداً عنها، الرد المباشر للذين طنطنوا في كراهية واضحة لأم الدنيا بالقول إن المصريين سيتنازلون عن جزء من ترابها، وهي طنطنة تصب في إطار الحرب النفسية الموجهة ضد أرض الكنانة، حماها الله من الأعداء أمس واليوم وإلى الأبد.