الثقافة هي صرخة البشر في وجه تسارع وتيرة الحياة المادية والطغيان المعرفي، وهي التي تمنح المرء امتياز امتلاك تفكير ورؤية خاصة به للحياة. ولا أعتقد بأن الثقافة هي شيء يمكن وصفه، وإنما الثقافة هي أن تستخدم ما تعرف في تكوين مفهوم متكامل للعالم من حولك، وأن تدرك كيفية التعامل معه بتوازن وعدالة وموضوعية، وهي ليست ما يتعلمه الإنسان في المدارس والجامعات ومن أمهات الكتب ومتابعة البرامج والحياة والمنتجات الثقافية، لكون الإنسان مجبولاً على حب الذات، والصراع من أجل البقاء وحفظ النوع، ولذلك المثقف من ينتصر على نفسه، ليكون عادلاً معها قبل أن يكون كذلك مع الآخرين، وأن يرى الجانب المضيء والمظلم للحكمة في كل ما يتفاعل معه في الحياة. ففي المجتمعات التي تعاني من جفاف وتصحر ثقافي حاد ينبهر المهمشون ثقافياً بكل مظهر من مظاهر الثقافة التي تحظى بأكبر قدر من التسويق وكثافة الحضور على الساحة الدولية، وتجدهم يتفاخرون بأن أبناءهم يتحدثون بلغة عالمية غير لغتهم الأم. وكلما تبنوا أنماط حياة تبعدهم عن موروثهم كانوا أكثر قبولاً في مجتمعاتهم في مأساة رمزية تشغل العقل الإنساني في العصر الحالي، حيث تجد الأجيال الناشئة في البيئات الغنية بالثقافة الصامتة التي ليس لها صوت مؤثر يحظى بالاحترام والتقدير الدوليين أنفسها في حيرة، عندما يجدون أنفسهم منحازين لقيم ومخرجات وأسلوب حياة تنتمي للثقافة المسيطرة التي تقود العالم في شتى الميادين، ضمن عملية تغريب ثقافي طوعي، وإنْ كان مبرمجاً. وكذبة مفهوم الحضارة من منطلق ثقافة دون غيرها، واستخدامه كسلاح ناعم للسيطرة المدروسة على العقول والمفاهيم، جعل جزءاً من التراث الإنساني الأكبر يبدو غير إنساني، ومن خلال تلك المشاعر فقدت شعوب تلك الثقافات جزءاً كبيراً من تقدير الذات واحترامها لثقافتها الأم والتأصيل لأطروحات يقودها جل مثقفي تلك المجتمعات بكل جهل وسذاجة، للوقوع في فخ أدلجة المفاهيم الثقافية، وما هو جدير بالتقدير والإعجاب ونموذج يحتذى به في مسيرة الكائن البشري على الأرض، والادعاء بتفوق قاري وإقليمي وشعوبي وطمس أهمية التنوع الثقافي في حدود يدعمها تفوق اقتصادي ومالي وسياسي وعسكري وجغرافي والخروج بمعيار ثقافي غير رسمي، ولكنه راسخ في أذهان سكان الكرة الأرضية بالمجمل في ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. والتهديد الأكبر الذي يجب ألا يمر مرور السلام للدول المحتلة ثقافياً هو محاولة التقليل من أهمية أن تكون للثقافة خصوصية ذات طبيعة تراكمية ومستمرة وميراث إنساني اجتماعي يعطي تصوراً لتاريخ البشرية وتفاعل الإنسان مع البيئة المادية والاجتماعية، وهو أمر مهم لاستمرار المجتمعات وتطورها، وبدلاً من ذلك اختزال الثقافة في قوالب كبرى تعمل كالثقوب السوداء، التي تبتلع كل نجوم الثقافات الأخرى في نموذج معولم يمجد العلوم والمعارف والفنون واللغات والمنتج الثقافي القادم من جزء واحد من العالم، ويمثل موروثاً لمجتمعات سكانية تنتمي لنفس الجذور التاريخية، وربطها بالرقي الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات تلك أو من يحاكيها ثقافياً. وفي المقابل تحصر الثقافة لدى باقي العالم في العنصر البشري واللغة، والدين وأساليب وطرق الحياة التي تتعلق بتلك المكونات فقط، حيث إن الثقافة تعبر عن مختلف المظاهر المادية والفكرية لمجموعة بشرية معينة تشكل مجتمعاً، ويتضمن ذلك المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات، وأي قدرات وخصال يكتسبها الإنسان، ويجب أن يعرف هذا الجزء من العالم أن فكرة مفهوم الثقافة نشأت في أوروبا إبان القرنين الثامن عشر، وأوائل القرن التاسع عشر كمفهوم طبقي مبني على التصنيف، الذي يسمح لفئة قليلة فرض الوصاية على سائر المجتمع من خلال ما تعتبر ممارسة ثقافية حضارية وغير حضارية، وصولاً إلى أواخر القرن العشرين، وظهور العولمة وهي عبارة عن تصريح مباشر بأن نمط الحياة الغربي، وما يحتويه من سلوك يعتبر الأرقي والأفضل، ومن المفترض أن يتبع ويقلد من بقية سكان العالم. الثقافة من الممكن أن تكون معول هدم، ومن الممكن أن تكون وسيلة فاعلة من أجل بناء المجتمعات، ومن الممكنات الضرورية للتنمية الشاملة، إذا نبعت من فكر وتفسير واعٍ لمعنى الثقافة وإعادة بناء مصطلح ثقافة لردم الفجوة في المفهوم، الذي كان قد وضع لغرض يخص ولا يعم الإنسانية، ككل، ومتى ما تمت علمنة الثقافة تدريجياً يعمل الوعي ويشرع في تسليع الثقافة والفن.