في الوقت الراهن، يغطي عدم شعبية الرئيس دونالد ترامب، على حقيقة قاسية بالنسبة للديمقراطيين، وهي أنهم باتوا حالياً في أسوأ حال ممكن منذ عشرينيات القرن الماضي. ومن بين الأدلة على ذلك، أن هيلاري كلينتون مرشحة الحزب في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، لم تفز سوى في 487 مقاطعة فقط، من بين ما يزيد على 3,100 مقاطعة منتشرة في مختلفة أنحاء البلاد. والسؤال الآن: هل يستطيع الديمقراطيون الخروج من الهوة العميقة التي انحدروا إليها؟ لاشك أن ردود الفعل الديمقراطية المتنامية على غرائبيات ترامب، وتطرف الكونجرس الذي يقوده الجمهوريون، تجعل من الممكن تحقيق ذلك، بيد أن الأمر المؤكد هو أن الحزب لن يتمكن من تجديد نفسه إلا إذا تغير بشكل ملموس. والخبر السار في هذا السياق -على رغم المقاومة العنيدة- هو أن المصلحين الديمقراطيين، قد بدأوا بالفعل في إجبار الحزب على الانفتاح. فالحملة الانتخابية عام 2016 للسيناتور بيرني ساندرز (مستقل- فيرمونت)، وردود الفعل على فوز ترامب، أطلقا طاقة جديدة من عقالها، وحفزا ناشطين جدداً في الحزب الديمقراطي. والشيء الجدير بالملاحظة، في هذا السياق، أن العديد من الديمقراطيين، بدلاً من أن يديروا ظهورهم للحزب، أو يتخلوا عن السياسات الحزبية التي يشمئزون منها، يرون، بدلاً من ذلك، أن الوقت قد حان لإصلاح الحزب الديمقراطي نفسه، من أسفل إلى أعلى، والعكس. وفي نهاية الأسبوع الماضي، صوت أعضاء، ما يعرف بـ«لجنة إصلاح وحدة الحزب» على التوصيات النهائية لإصلاح الحزب الديمقراطي. وهذه اللجنة، هي ثمرة اتفاق تم بين كلينتون، وساندرز في المؤتمر الوطني للحزب أثناء انتخابات 2016، وكان الهدف منه مداواة الجروح الغائرة، التي ألحقتها الانتخابات التمهيدية بأنصار ساندرز. ولم يكن مستغرباً أن يكون مندوبو ساندرز، هم الذين قاموا بدفع أجندة الإصلاح هذه، من خلال الضغط لفتح الحزب أمام ناخبين جدد، وإكسابه طاقة جديدة. والتوصيات الناتجة عن عمل اللجنة تحدث تغييرات مهمة في ثلاثة مجالات رئيسية: الأول: أنها ستؤدي إلى تخفيض عدد المندوبين الكبار في المؤتمر الوطني للحزب -الذين يستطيعون التصويت لمن يرغبون- بنسبة 60 في المئة، حيث قصرت هؤلاء المندوبين على المشرعين الموجودين على رأس أعمالهم، وحكام الولايات، والرؤساء السابقين، ونواب الرؤساء، ورؤساء المؤتمر الوطني للحزب. الثاني: أن اللجنة اقترحت إجراء تغييرات على القواعد المنظمة للمؤتمرات التحضيرية للمرشحين «كوكس»، بغرض فتحها، وجعلها أكثر شفافية. وبناء على مقترحات اللجنة فإن فروع الحزب في الولايات التي تعقد مؤتمرات تحضيرية، سيكون مطلوباً منها السماح بتسجيل الناخبين والأحزاب في اليوم نفسه، وتوفير مراكز اقتراع للمتغيبين عن التصويت، مما يقلل من الأعباء التي يواجهها الموظفون، والعاملون الذين يرتبطون بجداول عمل غير مرنة. ثالثاً، ستسعى اللجنة إلى الحد من ترخيص المطلعين على بواطن أمور المؤتمر الوطني للحزب، فيما يتعلق بإنفاق المال على المحللين والاستشاريين من دون أي مساءلة، كما كان الوضع في السابق. ويشير جيمس زغبي، الذي كان عضواً مصوتاً في المؤتمر الوطني للحزب لأكثر من عقد من الزمن، إلى أنه لم يسبق له أن رأى أي ميزانية للمؤتمر. وتوصي اللجنة مجلس المراقبين الماليين بالتحقيق في تضارب المصالح، وتمكين لجنة الميزانية والرقابة، بالتعاون مع أعضاء المؤتمر الوطني المنتخبين، من مراجعة أي نفقات تتجاوز 100 ألف دولار للمتعهدين أو الخبراء الاستشاريين الخارجيين. واشترطت اللجنة توزيع وثائق الميزانية على اللجنة، وأن تكون الاجتماعات مفتوحة لجميع أعضاء المؤتمر الوطني. واللجنة المذكورة لا تملك، بطبيعة الحال، القول الفصل في مثل هذه الأمور، وبالتالي فستتعين، في خاتمة المطاف، الموافقة على توصياتها من قبل ثلثي مجموع الحاضرين في المؤتمر الوطني للحزب. وفي الحقيقة، أن المؤتمر الوطني هو المكان الذي تذهب إليه التوصيات عادة لكي تموت، وخصوصاً تلك التي تدعو إلى الحد من امتيازات أعضائه. ولكن ربما تكون هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، وخصوصاً أن طيفاً عريضاً من القواعد الشعبية للحزب، التي تدفع باتجاه تحويل الحزب الديمقراطي، قد تعهدت بمواصلة الضغط لدفع الإصلاحات إلى الأمام. والخطوة الأولى لهم هي الضغط على المؤتمر الوطني الحالي للحزب للموافقة على تقرير اللجنة. وكثيرون يتحسرون على المعارك التي تدور رحاها داخل الحزب على أمور مثل التوجيه، والإجراءات، والمرشحين، ولكن الطاقة الجديدة المأمول شحنها في مفاصل الحزب، قد تمثل -إلى حد كبير- الأمل في إنقاذ الحزب. وثورتنا التي نبعت من حملة ساندرز -لديها 500 فرع في 47 ولاية، تتمتع بقدرة متنامية على دفع حملات القضايا المختلفة قدماً، مع السعي في الآن ذاته لاحتلال لجان الحزب الديمقراطية، وتجنيد ودعم المرشحين. وثورتنا هذه ليست أيضاً بمفردها، فهناك «حزب العائلات العاملة»، وحزب «العمل الشعبي»، و«الحركة إلى الأمام» و«ديمقراطيون من أجل أميركا»، وسلسلة من المنظمات الجديدة التي تقوم بدعم المرشحين. ومعظم تلك المنظمات تحتشد حول الأجندة الجسورة التي عبر عنها ساندرز، وتشمل وضع حد أدنى للأجور مقداره 15 دولاراً للساعة، وتقديم الرعاية الطبية للجميع، وصفقة خضراء جديدة، وتجارة متوازنة، والفصل بين المال والسياسة، بالإضافة إلى أشياء أخرى عديدة. وعندما يواصل ترامب تجاوز كل حدود اللباقة، ويتخلى عن الناخبين الذين دعموا شعبويته الاقتصادية، ويستمر الجمهوريون في الكونجرس في تصعيد حربهم على الطبقة العاملة، يكون لدى التقدميين ما يكفي من الأسباب لكي يشعروا بالاستياء، ويسعوا للتغيير. وقد علمنا مارتن لوثر كينج أن أكثر الساعات حلكة هي تلك التي تسبق انبلاج الفجر. وإذا ما جرى تقنين توصيات اللجنة الإصلاحية المنوط بها تحقيق وحدة الحزب، فإن الديمقراطيين ربما يبدؤون في رؤية طلائع النور. --------------- كاترينا فاندن هيوفيل* * رئيسة تحرير وناشرة مجلة «ذا نيشن» الأسبوعية الأميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»