صحيفة الاتحاد

وجهات نظر

منطق التعددية في سياسة ماكرون الخارجية

مرت الآن ستة أشهر على انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية الفرنسية، وهو أمر لم يكن أحد ليتوقعه قبل ذلك بعام. ولئن كان حضور القضايا الدولية خلال حملته كان محدوداً (باستثناء تأكيده المتكرر التزامه تجاه البناء الأوروبي)، فقد عرف انخراطُه في الشؤون الدولية مساراً آخر مختلفاً منذ حلوله بقصر الإليزيه. فقد صارت، في الواقع، تشغل الجزء الأكبر من أجندته، في حين أنيط الاشتباك مع ملفات السياسة الداخلية بأعضاء حكومته.

فقد لبس ماكرون بسرعة المعطف التقليدي لرئيس الدولة، المعني بتكريس صورة فرنسا في الخارج وتحديد خطوط وتوجهات السياسة الخارجية. وكمبتدئ في هذا المجال فقد رمته الأحداث بسرعة في المعمعة، أولاً عند انعقاد قمتي مجموعة السبع و«الناتو»، ثم تلت ذلك لقاءات ثنائية مهمة أخرى كلقائه بكل من دونالد ترامب وفلاديمير بوتين.

ولرغبته في اتباع سياسة مغايرة لسلفيه، فرانسوا أولاند ونيكولا ساركوزي، فقد رأى أن من الضرورة بمكان تأكيد حضور فرنسا بقوة كفاعل مؤثر على المسرح الدولي، وهو ما لم يكن عليه الحال، في عهد سابقيه، حيث تراجع دورها وحضورها بشكل محسوس. وقد نجح ماكرون في بناء علاقة صداقة مع دونالد ترامب على رغم نقاط خلاف عدة بينهما (كانسحاب الولايات المتحدة من اليونسكو، ومن اتفاق باريس للمناخ)، كما تحدث أيضاً من موقع الندية مع فلاديمير بوتين، متطرقاً صراحة إلى موضوعات التوتر الرئيسية: سوريا، وأوكرانيا.. الخ. ومع مطلع 2018 ستكون الصين هي الوجهة المقبلة التي سيذهب إليها، وهي بلد، بحكم الواقع الراهن للسياسة الأميركية، يميل الآن للتقارب مع فرنسا.

والصين، التي كانت معروفة في السابق بموقفها ضد الإكراهات والضغوط الدولية الرامية لمكافح احترار المناخ، صارت الآن مدافعاً متحمساً عن اتفاق باريس للمناخ.

أما زيارة ماكرون، التي لقيت تغطية إعلامية واسعة جداً، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، بمناسبة افتتاح متحف اللوفر في أبوظبي، فيبدو أنها تؤشر أيضاً إلى ارتسام معالم محور شراكة قوي بين الإمارات وفرنسا. وكذلك لقاؤه مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أتاح له فرصة لعب دور وسيط في الأزمة بين هذا البلد ولبنان. كما وجه دعوة لسعد الحريري، رئيس وزراء لبنان المستقيل، لزيارة باريس.

ويريد ماكرون أن يكون في موقف يسمح له بمخاطبة الجميع، وأن يُسمِع محدثيه لغة الحقيقة. وفي رأيه، أن الدبلوماسية تعني أيضاً الحديث مع بلدان قد تكون لفرنسا معها دواعي نزاع وخلاف عديدة، وذلك لأنه لا توجد أية طريقة -أو طرق- أخرى أفضل من الحوار والأخذ والعطاء لحل النزاعات والصراعات. ومن هنا يفضل ماكرون لعب دور قائد جوقة المدافعين عن التعددية الدولية، في وقت صارت فيه التعددية محل تشكيك من قبل قوى عظمى، ولذا فهو يسعى لبناء مقاربة براجماتية غير أيديولوجية للعلاقات الدولية، واضعاً في الاعتبار، في الوقت نفسه، المصالح الفرنسية، وما لا مفر منه أيضاً من الحقائق والوقائع الاستراتيجية القائمة في المشهد الدولي.

ولئن لم يعد ماكرون يتحدث كثيراً عن مفهوم النزعة الديجولية- الميترانية، كما كان يفعل باطراد خلال الحملة الانتخابية، إلا أنه مع ذلك يسير في سياسته الخارجية على نهج سلفيه الذائعيْن اللامعْين. وفي عالم سائل، وقيد التحول، ويزداد فيه الشعور بأعراض خسارة التفرد الغربي بالقوة، فعلى فرنسا الحفاظ على ما لديها من أوراق، والاحتفاظ بهوامش التصرف والحركة المتوافرة لها. وفي مشهد دولي معولم، لا تعتبر التعددية فقط خياراً عقلانياً، وإنما تصب أيضاً في مصلحة فرنسا، التي تستطيع في الوقت نفسه الاستفادة هنا من وضعها كعضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وأيضاً وضعها كدعامة قوية للاتحاد الأوروبي. كما يطمح ماكرون كذلك لجعل فرنسا قطب تهدئة واستقرار على المستوى الدولي، وخاصة في ظرف تكسب فيه أحوال غياب الأمن، وانعدام الرؤية، كل يوم أرضاً جديدة.

ومع ذلك تواجه سياسة ماكرون عقبتين: -أن الوسائل المالية لقصر «كي دورساي» (مقر وزارة الخارجية الفرنسية) محدودة: فقد أدى تقليص الميزانية إلى قص أجنحتها، ومن ثم فلا بد من ضخ أرصدة إضافية، ومن دون ذلك فلن تستطيع فرنسا بلوغ تطلعاتها في السياسة الخارجية.

- وبحكم المصاعب التي يواجهها أيضاً المشهد السياسي الداخلي الألماني، بات الاتحاد الأوروبي في حالة عطالة. وكان ماكرون يعوّل على إعادة انتخاب أنجيلا ميركل، في شهر سبتمبر 2017، لإعادة إطلاق البناء الأوروبي. وبطبيعة الحال فلا غنى عن تشكل حكومة قوية في ألمانيا لبلوغ هذا الهدف.

الكاتب

شارك برأيك

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟

هل تعتقد أن المعركة المرتقبة في إدلب ستكون بالفعل "خاتمة" الحرب السورية؟