من الثابت والمؤكد فداحة الآثار الصحية للتلوث بأنواعه المختلفة، وهو ما كانت قد أكدته نهاية شهر أكتوبر الماضي دراسة نشرت في إحدى أشهر وأعرق الدوريات الطبية في العالم (Lancet)، حيث ربطت بين التلوث -بجميع أنواعه- وبين 9 ملايين وفاة سجلت في عام 2015. وتحملت شعوب ومجتمعات الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل السواد الأعظم من هذه الوفيات، إلى درجة أن بعض التقديرات تشير إلى أن واحدة من كل أربع وفيات تقع في تلك الدول، تكون بسبب التلوث بشكل مباشر أو غير مباشر. وبوجه عام، وفي جميع الدول دون استثناء، ومن بين أنواع التلوث المختلفة، فإن تلوث الهواء هو المتهم الأكبر، حيث يعتبر مسؤولًا عن ثلثي الوفيات. وبخلاف الوفيات المباشرة وغير المباشرة، تمتد تبعات التلوث السلبية أيضاً لتؤثر على نوعية الحياة، وعلى الحالة الصحية العامة، الجسدية والعقلية، بما في ذلك الحالة الصحية للأطفال حديثي الولادة. ففي تقرير صدر بداية الأسبوع الجاري عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة أو «اليونيسيف»، أكد علماء المنظمة أن 17 مليون طفل حول العالم دون عمر السنة، يستنشقون هواء مسمماً، مما يعرض نمو أمخاخهم للخطر. ويعتبر أطفال جنوب آسيا الأكثر عرضة لهذا الخطر الصحي، حيث يقطن دول هذه المنطقة أكثر من 12 مليون طفل يستنشقون يومياً هواء ملوثاً بمقدار ستة أضعاف الحد الأقصى المسموح به، بالإضافة إلى 4 ملايين آخرين معرضين لمخاطر التلوث في شرق آسيا ومناطق المحيط الهادي. وقد وصلت درجة أن سوء الأوضاع البيئية في بعض هذه الدول، إلى حد إصدار توصيات بضرورة استخدام أقنعة الوجه «الماسكات» عند التواجد في الطرقات العامة، وعدم الخروج بالأطفال إلى الشوارع في أوقات الذروة، بينما عمدت بعض المدن إلى إغلاق المدارس والحضانات بشكل تام، بسبب خطورة الوضع على صحة التلاميذ. ويؤكد تقرير «اليونيسيف» الأخير نتائج تقرير آخر كان قد صدر قبل عقد كامل عن منظمة الصحة العالمية، وحمل عنوان «مبادئ تقدير المخاطر الصحية لدى الأطفال، المرتبطة بالتعرض للملوثات الكيماوية» وقد خلص إلى أن الوقت أو المرحلة التي يتعرض فيها الأطفال للملوثات البيئية، تحمل قدراً كبيراً من الأهمية في تحديد فداحة الآثار الصحية السلبية، تماماً مثل أهمية الجرعة أو درجة التلوث التي يتعرض لها الأطفال، أي أن الآثار الصحية السلبية النهائية، لا تتوقف فقط على جرعة التلوث، بل أيضاً على السن أو المرحلة العمرية عند التعرض لهذا التلوث. فالأطفال على خلاف البالغين، يمرون بظروف بيولوجية خاصة أثناء كل مرحلة من مراحل نموهم المختلفة، مما يجعل أجسادهم تستجيب بشكل مختلف للملوثات في كل مرحلة من هذه المراحل. ولذا فإنه من الخطأ النظر للأطفال على أنهم (بالغون صغار الحجم)، حيث تختلف العمليات البيولوجية داخل أجسادهم بشكل واضح، مقارنة بالعمليات البيولوجية التي تحدث داخل أجساد البالغين. وهو ما يجعل الآثار الصحية السلبية لنفس الملوثات، تختلف أيضاً باختلاف وقت التعرض لها. فمثلاً يؤدي تعرض الجنين للملوثات أثناء الحمل إلى الإجهاض، أو إلى ولادة الطفل ميتاً، أو إلى ولادة طفل مبتسر أو بعيوب خلقية. وحسب تقرير «اليونيسف» الأخير، يمكن لاستنشاق الجزيئات السامة في الهواء الملوث أن يؤدي إلى تلف أنسجة المخ، وأن يوهن ويضعف النمو العقلي. ولذا تظهر علاقة ترابطية بين تعرض أطفال المدارس للتلوث، وبين تراجع معدل الذكاء اللفظي وغير اللفظي، وضعف الذاكرة، وتدهور الأداء التعليمي، وانخفاض مستوى العلامات في الاختبارات، بالإضافة إلى ارتفاع نسبي في معدلات اضطرابات سلوكية أخرى، وللأسف ترافق هذه التبعات الصحية السلبية للتلوث الأطفال مدى حياتهم. ومما يزيد الطين بلة، الاتجاه العالمي المتزايد نحو «التمدين» أو ظاهرة الانتقال من حياة الريف إلى حياة المدن، المكتظة بالسكان، وبمصادر التلوث مثل وسائل المواصلات، وخصوصاً عوادم السيارات، ومداخن المصانع ومحطات إنتاج الطاقة. ولذا فإذا ما لم يتم تفعيل إجراءات الوقاية، وتطبيق تدابير خفض التلوث، يتوقع أن يتعرض المزيد والمزيد من الأطفال للتلوث خلال السنوات والعقود القادمة. وإذا ما أضفنا للتبعات الصحية للتلوث على الأطفال، تبعاته الصحية على البالغين، والوفيات الناتجة عنه بالإضافة إلى التأثيرات الاقتصادية السلبية، وبعض التبعات الاجتماعية والسياسية الأخرى، يمكن بسهولة أن ندرك لماذا أصبح التلوث إحدى أهم القضايا الصحية والاقتصادية في العصر الحديث.