«القدس لنا».. هذا هو هتاف العرب الخالد الذي يردده معهم أكثر من مليار مسلم حول العالم. هو الهتاف نفسه الذي يقوله الصهاينة ومن ولاهم من المتصهينين الذين لا يجاوز عددهم العشرة ملايين. وعندما قلت الصهاينة، فإنني استثني بذلك عقلاء اليهود الذين لا يقرون قيام وطن قومي لليهود في فلسطين. لكن الصهاينة مع قلتهم، نالوا تأييد زعيم أميركا الجديد الذي لا أعرف لِمَ صُدم الناس بقرار نقله لسفارة بلاده إلى القدس واعتبارها عاصمة إسرائيل؟ لقد تعهد هذا الرئيس بهذا الأمر أثناء حملته الانتخابية، وقد أوفى بعهده، لذلك قال في إعلانه يوم السادس من ديسمبر: (قررت أن الوقت قد حان للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، سأفي بوعد قطعته على نفسي بنقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس. وقرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، تأخر كثيراً). وقد أكد هذا الكلام وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون من فيينا، حيث قال في مؤتمر صحفي: إعلان ترامب حول القدس إقرار بالواقع على الأرض، والرئيس ترامب قام بتنفيذ إرادة الشعب الأميركي. كي ندرك لِمَ اتخذ الرئيس الأميركي قراره، لا بد من فهم المنطلقات التي يتحرك بوحيها، هذا الرئيس المثير للجدل داخل أميركا وخارجها، له عقلان، أحدهما تجاري تعهد من خلاله بجلب الاستثمارات إلى وطنه، وقد حقق وعده، حيث نجح في فترة وجيزة في جني المليارات من الدولارات لمصانع أميركا. العقل الثاني مرتبط بطبيعته التي جعلته يعلن صراحة رفض الآخر، وقد رأينا قراراته بخصوص الهجرة، والاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي نموذج آخر لهذا الفكر، كما أنه استثمر تاريخ الضعف الذي تمر به المنطقة العربية والإسلامية التي تعاني بعض دولها من اضطرابات داخلية أو حروب أهلية شغلتها عن قضية العرب المصيرية. إعلان الرئيس الأميركي واجهه العالم بكثير من الاستنكار والشجب، فقد لخص الرئيس الفلسطيني في كلمته موقف العرب والمسلمين، حيث قال من رام الله إن قرار ترامب الجديد حول القدس يخالف جميع القرارات والاتفاقات الدولية، القرار يصب في مصلحة الجماعات المتطرفة التي تسعى إلى جر المنطقة نحو صراعات وحروب دينية. وأضاف القدس بهويتها العربية الإسلامية المسيحية كعاصمة لفلسطين، عصية على التغيير بقرار أميركي أحادي. ومن خارج الوطن العربي، قال الرئيس الفرنسي: إن قرار ترامب أحادي الجانب مؤسف وفرنسا لا تؤيده. وعلق الأمين العام للأمم المتحدة بقوله: قرار ترامب يقوض مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية. المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، قالت: نرفض قرار ترامب نقل السفارة الأميركية للقدس. ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، قلت: لا نؤيد قرار ترامب حول القدس. الاتحاد الأوروبي يعرب عن قلقه من قرار ترامب نقل السفارة الأميركية إلى القدس، وعلق بابا الفاتيكان بدعوته إلى (حماية الوضع القائم في القدس). تاريخ القدس مرتبط بمعادلة يؤكدها التاريخ، هذه البلدة المباركة لا يحكمها إلا القوي ولن يستردها إلا الأقوى، وعلى العرب والمسلمين فهم هذه المعادلة الواضحة لدي، القدس ميزان دقيق لقوة الأمة أو ضعفها. ومن أراد استردادها من مغتصب عليه، فهم هذه المعادلة والعمل على تحقيقها. آن للعرب أن يتخلصوا من ردود الأفعال العاطفية التي تعودنا عليها بعد كل نكبة، لأن للعاطفة أفعالاً مؤقتة، ولا تخدم أهداف القضية، إلا إذا تم استثمارها بطريقة ذكية. والتخلص من تجار القضية الفلسطينية بشتى توجهاتهم وانتماءاتهم. فما أكثر من زايد على هذه القضية، وكان همه منها المكاسب السياسية والأرباح المادية. والأمل معقود على الدول العربية للعودة من جديد إلى رشدها، ورص صفوفها وتجاوز خلافاتها كي يتحقق لها سؤددها.