البيان الختامي الذي صدر عن اجتماع وزراء داخلية التعاون الذين عقدوا اجتماعهم الثاني والعشرين في الدوحة الأسبوع الماضي بدا أكثر حرصاً على التشديد على مكافحة الارهاب، وخُص هذا الموضوع بعبارات محددة أخذت شكل التنديد والاستنكار والإدانة، خصوصاً ضد الأحداث التي شوهدت في المملكة العربية السعودية مؤخراً، ورفضوا ربط وسائل الإعلام المشبوهة بين الارهاب والإسلام! وعدم تحميل الإسلام الممارسات البعيدة عنه· وظهر مفهوم الاتفاقية الخليجية الموحدة لمكافحة الارهاب إلا أنها أحيلت الى الجهات القانونية المختصة لــ المزيد من الدراسة وتلك إشارة يفهمها أبناء الخليج؟
ويعود بنا هذا الموضوع الى الاتفاقية الأمنية التي طُرحت مع بدايات المجلس ولم توافق عليها دولة الكويت-حتى الآن-كونها تنتقص سيادات الدول، وتتعـارض مــــع المفاهيـــــم غير المتســــقة-بين دول المجلس-فيما يتعلق بجرائم الرأي والملاحقات العسكرية والأمنية للمجرمين·
جواز السفر الموحد، والذي تم إقراره من قبل الوزراء، وسيرفع للقادة في قمتهم القادمة في الكويت، كان موضوع الساعة في قمة الكويت قبل خمسة أعوام، حيث أعلن الأمين العام لمجلس التعاون حينها الشيخ جميل الحجيلان أن الجواز الموحد والمقروء آليا سوف يعمل به خلال عامين ضمن قمة الكويت عام (1997)، وهكذا نجد أنفسنا اليوم أمام الموضوع نفسه بعد خمس سنوات· أما التنقل بالبطاقة الشخصية والذي تم تطبيقه في حدود ضيقة وثنائية بين بعض الدول الخليجية، فهو الآخر غير ناجع نظراً لعدم العمل به في المملكة العربية السعودية، وقد أشار إلى ذلك وزير الدولة للشؤون الداخلية القطري -رئيس الاجتماع، حيث تلقى - كما قال - وعداً من وزير الداخلية السعودي بتنفيذ الموضوع في نهاية العام الهجري الحالي·
التنقل بين دول التعاون براً، لابد وأن يمر عبر السعودية، وما لم تتوفر كل شروط إنجاح مشروع التنقل وبكل أمانة وثقة، فإن المواطن الخليجي سوف يظل يعاني ما يعانيه على رغم عقد الاجتماعات المتواصلة لوزراء الداخلية·
ولا يشكل الجواز الموحد أو غير الموحد العقبة الوحيدة أمام التنقل بين دول التعاون بل إن اجراءات الجمارك هي التي توتر أعصاب المسافرين، وتصرفات بعض أعضاء هذا الجهاز هي التي تجعل المواطن يفكر ألف مرة، ويتحمل مصاريف الطيران الباهظة قبل أن يقود سيارته عبر الحدود الخليجية·
كنت عائداً هذا العام من بلد عربي عبر دول المجلس، وشاهدت شابا خليجيا وقد وضع يده على خده، بعد أن قام رجال الجمارك بتفكيك سيارته بصورة تشويهية نزعوا الجلد الداخلي للأبواب، والاطارات، والكراسي الداخلية وشنطة السيارة وقد يحتاج الشاب الى أكثر من خمس ساعات لإعادة البراغي والجلد المنزوع إلى مكانه، ناهيك عن أن سيارته من النوع الفاخر الغالي الثمن· أما المفتش الذي رزقني الله به، فلم يكن بأرحم من زميله الذي فكك سيارة الشاب، فقد أوعز للحمالين بحمل 5 شنط دسمة المحتوى من الملابس وعرضها أمام خلق الله، مقلبا محتوياتها النسائية هنا وهناك وقد وقعت عيناه على مادة ماء الورد فما كان منه إلا أن قرب الزجاجات من فمه ورج الزجاجات رجاً وحشياً وكاد يصادر مني كتابا مهما طبع عام ،1880 وكان المسكين يقلب صفحات الكتاب بحثا عن صور (أي صور عارية) تصوروا يريد أن يرى صورا في الكتاب المقدس الذي أهدانيه أحد الاصدقاء نظرا لقدمه·
إذا كانت تصرفات بعض رجال الجمارك بهذه الصورة، وإذا كان المواطن الخليجي مذنباً بل ومجرما أمام بعض رجال الجمارك ممن لا يفقهون العمل الحكومي، ولا يشعرون بحالة المسافرين الذين يقطعون آلاف الأميال، وينظرون إليهم نظرات ريبة في كل حركة، فأين للسادة وزراء الداخلية تطبيق تسهيل إجراءات سفر المواطنين وتعزيز التواصل بين دول المجلس ؟
كنت قد طالبت وبعد اجتماع سابق لوزراء الداخلية أن يقترح أحد الوزراء رحلة برية من أية عاصمة خليجية للتعرف على أحوال المسافرين الخليجيين وغيرهم عند المنافذ، واليوم أطرح هذه الفكرة من جديد، ولتكن في الاجتماع القادم في الكويت، وليستقل السادة الوزراء باصا مكيفا ويعبروا به دول المجلس· إنني واثق من أنهم سوف يرون العجب، بشرط ألا يخبروا مديري الجمارك والمنافذ عن موعد الرحلة·
المواطن الخليجي لازال يتعرض للاهانة والمهانة عند بعض المنافذ·· ولازالت أعين بعض رجال الجمارك والمخابرات تلاحقه متهمة إياه بصمت·· فكيف لنا أن نفرح بقرار الجواز الموحد أو التنقل بالبطاقة؟ إن النموذج الأوروبي في التنقل جدير بالاحتذاء ·· ولكن هنالك إشكاليات قد تحتاج الى عشرات السنين ·· المشكلة الراهنة ان اللغة العربية جميلة ورحبة وقادرة على الاقناع، واستيعاب كل الاتجاهات والأفكار·