في وقت لاحق من الأسبوع المقبل، سيتوجه التشيكيون إلى مراكز الاقتراع للتصويت في الانتخابات البرلمانية، وإذا سارت الأمور كما هو متوقع، فإنهم سينتخبون في منصب رئيس الوزراء رجل الأعمال الثري الذي يشتبه في أنه حصل على أموال من الاتحاد الأوروبي، وأنه كان يعمل مع الشرطة السرية في الحقبة الشيوعية. وقد كان الصعود السياسي للمرشح «اندرج بابيس»، وهو شخصية مناهضة للمؤسسة وثاني أغنى رجل في البلاد، قد أثار الكثير من المخاوف. ويخشى البعض من أنه سيحول الجمهورية التشيكية، ومعها أوروبا الوسطى وجزء من الاتحاد الأوروبي، تجاه موسكو ويبعدها عن بروكسل وواشنطن. ويخشى البعض الآخر من أنه سيقود براغ إلى طريق بودابست أو وارسو غير الليبرالي. بيد أن الحقيقة أكثر تعقيداً بعض الشيء. يذكر أن «بابيس»، الذي لا يزال ينظر إليه كدخيل سياسي بعد أن خدم ثلاث سنوات كوزير للمالية، هو زعيم حزب «آنو» المناهض للوضع القادم الذي يسيطر حالياً على 54 مقعداً في البرلمان. وهو يعد على نطاق واسع مؤيداً لقطاع الأعمال، ويبدو بالتأكيد أنه مؤيد للشركات الموالية له: ويزعم أنه اختلس الإعانات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي للشركات صغيرة ومتوسطة الحجم؛ وفي يوم الاثنين الماضي، وجهت إليه الشرطة التشيكية الاتهام رسمياً. وهو أيضاً لديه أسرار أخرى. ففي يوم الخميس الماضي، أمرت المحكمة الدستورية في سلوفاكيا محكمة أدنى للنظر في مزاعم مفادها أنه تعاون مع الشرطة السرية في الحقبة الشيوعية. لكن «بابيس» ليس فيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر، الذي يبدو أنه سعيد بالقتال مع بروكسل بقية عمره، أو «ياروسلاف كاتشينسكي»، رئيس وزراء بولندا، الذي لديه قناعة عميقة بأن قوى المعارضة السياسية داخل بولندا هي المسؤولة عن موت أخيه التوأم. حتى النقاد يعترفون بأن بابيس رجل أعمال وليس أيديولوجياً. وهناك أربعة عوامل كبيرة تحدد إلى أي مدى من الممكن أن يؤدي انتصار «بابيس» إلى تحويل التشيكيين تجاه موسكو - أو على الأقل ضد المجتمع الليبرالي. وأهم هذه العوامل هو اختيار شريك التحالف. على سبيل المثال، إذا انضم «آنو» إلى حزب «الحرية والديمقراطية المباشرة» – صديق الجبهة الوطنية في فرنسا - بقيادة اليميني المتطرف «توميو أوكامورا» – ستكون هناك حملات على المجتمع المدني، وتشكك تجاه الغرب. وإذا انضم «آنو» بدلاً من ذلك للحزب الحاكم الحالي، الحزب «الديمقراطي الاشتراكي الوسطي»، فإن الوضع الراهن هو الذي سيسود. وتستخدم بعض الأحزاب المعارضة هذه الحالة من عدم اليقين في الائتلاف كنقطة لبدء الحملة. وقال «بافل بيلوبراديك»، رئيس حزب الشعب الاتحاد المسيحي الديمقراطي، في مقابلة إن السياسة الخارجية التشيكية سيمليها شريك التحالف لحزب «آنو»، وأضاف «بيلوبراديك» أن حزبه مؤيد للاتحاد الأوروبي وهو ديمقراطي. وبسؤاله ما إذا كان حزب «آنو» هو أيضاً حزب ديمقراطي، قال ضاحكاً: «إنه حزب شعبوي. وهذا يعني أننا لا نعرف شيئاً عن قيمهم وأفكارهم». أما العامل الثاني فهو الرئاسة التشيكية، التي ستُقرر في يناير المقبل. إن الرئيس الحالي «ميلوس زيمان» يحدث الكثير من الضوضاء الودية تجاه روسيا. وقد ذكر مؤخراً للمجلس الأوروبي أن القرم كانت روسية، وهو التصريح الذي شجبه وزراؤه. وإذا أعيد انتخاب «زيمان» وقاد «بابيس» وحزب «آنو» الحكومة، ربما تكون هناك خطوة أكثر قرباً لموسكو. والعامل الثالث هو كيف ستستجيب بروكسل وواشنطن لبراغ بقيادة «بابيس». في بعض القضايا، مثل الهجرة، يميل «بابيس» إلى التصادم مع بروكسل. لكنه من المرجح أنه يصطدم بشكل أقل مثل «أوربان»، الذي يهاجم الاتحاد الأوروبي، وبشكل أكثر مثل رئيس وزراء سلوفاكيا «روبرت فيكو» الذي تحدى أيضاً حصص الهجرة، لكنه قال بهدوء إنه احترم قرار محكمة الاتحاد الأوروبي. وإذا كان الأمر يتعلق بالأغراض التجارية فقط، فمن المرجح أن يفهم «بابيس» أن مستقبل بلاده يكمن في العلاقات السلسة مع بروكسل. أما واشنطن فمن الممكن أن يكون إقناعها أسهل، لا سيما تحت قيادة الرئيس دونالد ترامب. وقد ذكر مصدر دبلوماسي تشيكي لمجلة فورين بوليسي أن «بابيس يعتبر نفسه شريكاً للولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب. كما تعهد بالتزام سياسي واضح تجاه إنفاق الدفاع. بيد أن السياسة الخارجية لم تكن إطلاقاً مصدر قلقه الرئيسي. وفي الوقت نفسه، يشعر بعض الدبلوماسيين التشيك بالقلق من إدراك بعض الدوائر الأميركية أن بابيس يتعاطف مع موسكو. أما العامل الأخير فيتمثل في مرونة المؤسسات التشيكية. فهل ستحمل القيم الغربية حتى وهي تحت الحصار في جميع أنحاء القارة، ولا سيما بين جيران براغ؟ إيميلي تامكين: محللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»