في كتاب صدر في بداية هذا الشهر تحت عنوان: «السلطة الجديدة» يقدم الكاتب اليساري الفرنسي المخضرم ريجيس دوبريه قراءة لا تخلو من أصالة، وغرابة، لخلفيات المشهد السياسي والثقافي الفرنسي الراهن، في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، حيث تعيش فرنسا منذ فصل الربيع الماضي حالة توثب، وتجدُّد شباب، وتطلع بقوة ورغبة نحو المستقبل. وبعيداً عن المقاربات السياسية التقليدية التي تفسّر صعود ظاهرة ماكرون بالنقمة الشعبية العامة، العارمة، على الطبقة السياسية التقليدية بيمينها ويساريها، وديغوليتها واشتراكيتها، ويمينها ويسارها المتطرفين، يقارب دوبريه هذه الظاهرة من زاوية نظر أخرى غير متوقعة، ولا تخلو من أصالة وجرأة -كما هي حال معظم كتاباته في العادة- حيث يغوص في البحث عما يعتبره جذوراً بروتستانتية، لحالة التحولات التي يشهدها المزاج الفرنسي الآن، وذلك تأثراً بالمد العولمي العام الذي تقوده في الغالب ثقافات بروتستانتية، أنجلوساكسونية أو أوروبية شمالية، على عكس الثقافة الفرنسية الكاثوليكية الجمهورية وفق الصورة النمطية المعهودة. ولعل مما يزيد من قيمة هذا الكتاب في السياق الإعلامي والسياسي الفرنسي والأوروبي خاصة كون مؤلفه يعد إيقونة لدى تيارات اليسار بشكل عام، وقد رافق في مستهل حياته أسطورة اليسار العالمي أرنستو شي جيفارا. كما أن كتاباته تتصف أيضاً بالقوة والحدة الإيديولوجية والعمق النظري في الوقت نفسه، وهي صفات قلما تجتمع في أعمال مؤلف واحد. وباختصار شديد يرى دوبريه أن التحول السياسي الذي شهدته فرنسا هذا العام يختفي وراءه تغير آخر ثقافي وحضاري، مرتبط بثقافة العولمة والتسويق والتسيير واقتصادات العالم الرقمي التي تمكنت، بهذه الطريقة أو تلك، من الحلول محل ثقافة واقتصاد العالم القديم، وهو ما يمثل حالة تغير عميقة، وإن كانت بعض أسبابها خفية، أو غير ظاهرة أو لا تفصح عن اسمها بصراحة حتى الآن. وينطلق دوبريه في كل هذا من فرضية تمثل ما يشبه القناعة الراسخة بالنسبة له مؤداها أن وراء كل ثقافة تكمن عقيدة، ضمنية أو معلنة، وهذه العقيدة أو السلطة الجديدة الآن في فرنسا هي تلك المستمدة من تقاليد المد البروتستانتي الجديد، حيث يتم الانتقال من المقدس إلى الإشاري، ومن المعنى إلى الرمز، وصولاً إلى تسيّد آليات ورموز ثقافة السوق الأخرى، كمنطق المال، ودعاوى الشفافية والمكاشفة، وكذلك الأبعاد الأخلاقية المرتبطة بهذه العوالم الإيديولوجية والرمزية الأخرى الكثيرة المتدفقة من قمقم العولمة. وهذا ما نراه الآن في فرنسا تحديداً حيث يحل نجوم الحركات الشبابية محل السيناتورات والسياسيين المعتقين في التصدي للشأن العام، وحيث باتت دعاوى المكاشفة واقتصادات الشفافية والغرف الزجاجية هي عنوان المرحلة والشعار الذي يرفعه الجميع عن حق أو عن ادعاء. كما انتهت أيضاً أسرار وألغاز عالم السياسة التقليدي، ضمن ما يشبه الثورة المعلنة على كل التقليد الكلاسيكي. وعن الارتباط الوثيق بين الثقافة والسياسة في الوعي والفعل الفردي الآن يقول دوبريه: «قل لي ما هي طريقة حياتك، ومع من، وما هي امتداداتك الوراثية، أقل لك ما هو برنامجك الآن». وهي مقولة تعبر بوضوح عن الربط الذهني الذي يعتمل في ذهن دوبريه بين الخلفيات الاجتماعية والثقافية والدينية من جهة، والبرنامج السياسي والإيديولوجي بالنسبة لكل فرد داخل المجتمع. وهو ما يخالف الانطباع العام السائد بأن الوعي الفردي في المجتمعات الأوروبية اليوم، يتأسس على القناعات الشخصية والنزعات الفردانية في المقام الأول. وقد جر تفسير المؤلف هذا كثيراً من النقد، وخاصة من كُتاب ذوي أصول بروتستانتية فرنسية، حيث نبه بعضهم إلى تبنيه لصور نمطية وكليشهات قديمة ثاوية في المخيال العام الفرنسي، وخاصة أن تاريخ الأقلية البروتستانتية الفرنسية حافل بالتهميش وأوجاع الذاكرة غير المريحة بسبب معاناة البروتستانت عبر القرون في بلد تطبعه الثقافة الكاثوليكية بشكل كامل تقريباً. ووفق هذا النقد فقد راح دوبريه يجتر بعض تلك الصور النمطية من حيث أراد التنبيه إلى التأثير الطاغي للمؤثرات الخارجية الآتية من العالم الأنجلوساكسوني بفعل تصدره مسيرة العولمة اقتصادياً، لا أكثر، ودون أن تكون لذلك بالضرورة أيضاً قابلية إسقاطات دينية أو ثقافية، وخاصة أن رأي دوبريه هنا يقوم على معارضة مزمنة ومزدوجة للعولمة والدين معاً. حسن ولد المختار الكتاب: السلطة الجديدة المؤلف: ريجيس دوبريه الناشر: سيرف تاريخ النشر: 2017