أثناء الحملات الانتخابية الرئاسية عام 2016 أصبح استخدام دونالد ترامب لبعض النعوت الخاصة ضد خصومه جزءاً من المشهد السياسي الجديد. فقد وصف جيب بوش بأنه «جيب منخفض الطاقة»، ووصف تيد كروز بأنه «تيد الكاذب»، وهيلاري كلينتون بأنها «هيلاري المحتالة»، ووصف ماركو روبيو بأنه «ماركو الضئيل»، ووصف المهاجرين المكسيكيين بأنهم «مغتصبو النساء». ورغم أن هذه التوصيفات وغيرها الكثير كانت غير معتادة وغير مستحبة، فإنها أصبحت جزءاً من العرض الذي قدّمه ترامب ليهزم منافسيه ويفوز بالرئاسة. وكان من المأمول أن يسيطر ترامب بعد أن أصبح رئيساً على التعبيرات التي يستخدمها ضد خصومه ومنافسيه، لكن الأسبوعين الماضيين أظهرا أن لغته أصبحت أكثر حدة، لاسيما في مجال السياسة الخارجية. وأخطر حرب كلامية هي هذه التي دارت بين ترامب وزعيم كوريا الشمالية «كيم جونج أون». ففي أول خطاب رسمي لترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، هدد بمحو كوريا الشمالية إذا استمرت في تصرفاتها المستفِزة، وقال: «الولايات المتحدة لديها الكثير من القوة والصبر، لكن إذا اضطرت للدفاع عن نفسها أو حلفائها فلن يكون أمامها خيار سوى تدمير كوريا الشمالية بالكامل». ووصف ترامب كيم بأنه «رجل الصواريخ الانتحاري». وهذا التصريح لم يكن تغريدة على تويتر بل كان في خطاب رسمي أمام الأمم المتحدة. ودعا ترامب الدول الأعضاء في المنظمة الدولية للعمل معاً على عزل حكومة «كيم» حتى تتخلى عن سلوكها العدواني. ووصف كيم في رده على الرئيس الأميركي بأوصاف غير لائقة، وقال في غرور واضح: «سأروض المخرف الأميركي المختل ذهنياً بالنار». ومن المثير للاهتمام أن الكلمة الإنجليزية المقابلة لكلمة «مخرف» التي استخدمها «كيم» هي كلمة عتيقة تعود إلى عصر شكسبير وتشير إلى شخص يعاني من خرف الشيخوخة. وما يجعل هذه الحرب الكلامية خطيرة للغاية هو أنها جاءت مصحوبة بتهديدات وأعمال عسكرية من الجانبين قد تخرج بسهولة عن نطاق السيطرة وتؤدي إلى مواجهة عسكرية بل وحرب. وهددت كوريا الشمالية بأن تختبر قنبلة هيدروجينية في المحيط الهادئ يتم إطلاقها بوساطة واحد من الصواريخ الجديدة طويلة المدى في أسطول كوريا الشمالية الحربي. وحلقت المدمرات والطائرات المقاتلة الأميركية والجنوب كورية بالقرب من حدود كوريا الشمالية في استعراض للقوة. وهددت كوريا الشمالية بإسقاط مثل هذه الطائرات حتى لو لم تخترق النطاق الجوي الكوري الشمالي. والوضع الأميركي الكوري الشمالي هو أخطر مواجهة بين قوتين نوويتين منذ المواجهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق عام 1962 حول أزمة الصواريخ الكوبية. وتورط زعيمين مثل ترامب وكيم في تنابز كامل النطاق بالكلام يجعل الأزمة شديدة الخطورة. وكان ترامب قد أعلن أمام الصحفيين في نيوجيرزي في التاسع من أغسطس الماضي أنه «من الأفضل لكوريا الشمالية ألا توجه أي تهديدات أخرى للولايات المتحدة، وإلا فستتم مقابلتها بنار وغضب لم يرهما العالم قط». ولم تخف كوريا الشمالية خططها لتطوير صاروخ مزود برأس نووي قادر على ضرب الولايات المتحدة، وتجاهلت نداءات دولية لوقف برامجها النووية والصاروخية. وتعلن بيونج يانج أن صواريخها الباليستية العابرة للقارات هي وسيلة شرعية للدفاع في مواجهة ما تعتقد أنه عداء أميركي. ودأبت منذ وقت طويل على اتهام الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بتصعيد التوتر من خلال إجراء مناورات عسكرية مشتركة. واستثمر ترامب فرصة كلمته في الأمم المتحدة لمهاجمة إيران وزعمائها ولإثارة شكوك قوية حول استمرار الولايات المتحدة في دعم الاتفاق النووي الإيراني الذي أُبرم عام 2015. وأعلن ترامب في كلمته أنه «لا يمكن أن نلتزم بأي اتفاق يوفر غطاءً لتطوير برنامج نووي في نهاية المطاف». ووصف الحكومة الإيرانية بأنها «تخفي خلف قناع الديمقراطية نظاماً دكتاتورياً فاسداً». ومضى يقول إن زعماءها يشرفون على «دولة مارقة مستنزفة اقتصادياً، صادراتُها العنفُ ونزيفُ الدماء والفوضى». وبعد يومين، رد الرئيس الإيراني حسن روحاني في الأمم المتحدة، ليقول عن كلمات ترامب إنه «من غير الملائم سماعها في الأمم المتحدة التي أُقيمت لتدعم السلام». وإذا استمر تدهور العلاقات الأميركية مع كوريا الشمالية، وإذا استأنفت إيران برنامجها النووي نتيجة تهديد ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي، فسيواجه ترامب أزمتين نوويتين محتملتين في العام الأول من رئاسته. وفي الجبهة الداخلية، تسبب ترامب في رد فعل استثنائي حين عاتب لاعبي كرة قدم أميركيين محترفين احتجوا ضد تعامل الشرطة الوحشي مع الأميركيين الأفارقة حين ركعوا على ركبهم في مباريات لكرة القدم الأميركية أثناء عزف النشيد الوطني. وفي اجتماع وسط قاعدة أنصاره في ولاية ألاباما، نعت ترامب هؤلاء اللاعبين بوصف سلبي للغاية، واقترح على أصحاب نواديهم فصلهم. وكانت النتيجة تدفقاً في الدعم لهؤلاء اللاعبين من مدربيهم وأصحاب النوادي. وأنفق ترامب نهاية الأسبوع في كتابة تغريدات على تويتر عن هذه القصة، بينما لم يكن لديه إلا القليل ليقوله عن ظروف الأزمة في بورتوريكو التي دمرها الإعصار «ماريا». ورغم جهود كبير موظفي البيت الأبيض الجديد الجنرال جون كيلي لفرض المزيد من النظام والانضباط على الأنشطة اليومية للرئيس ومرافقيه، فإنه لم يستطع حتى الآن السيطرة على «التغريدات» التي لا تنقطع والتي ما زالت وسيلة ترامب الرئيسية للتواصل مع الشعب الأميركي والعالم.