في نهاية الأسبوع الماضي، أصدرت منظمة الصحة العالمية تقريراً، خلص فيه خبراء المنظمة الدولية إلى وجود نقص خطير وشديد في مجال تطوير أنواع جديدة من المضادات الحيوية، قادرة على وقف ظاهرة تزايد مقاومة البكتيريا والجراثيم للأدوية والعقاقير. وحذر هذا التقرير من أن المضادات الحيوية (الجديدة) التي تخضع حالياً للأبحاث والدراسات السريرية، قبل طرحها في الأسواق، ما هي في الحقيقة إلا نسخ معدله جزئياً من المضادات الحيوية الحالية، وليست بالمركبات الكيميائية الجديدة والمختلفة. وهو ما يعني أن البكتيريا التي تولد لديها مقاومة ضد المركب الأساسي، لن تستغرق وقتاً طويلاً كي تتمكن من توليد مقاومة أيضاً ضد النسخ الجديدة المعدلة جزئياً، مما يجعل من جميع المضادات الحيوية التي تخضع للدراسات والأبحاث حالياً مجرد حل قصير المدى، لا يتعامل مع المشكلة من جذورها. وعلى حسب تقرير منظمة الصحة العالمية، لا توجد خيارات كثيرة حالياً أمام المرضى الذين يصابون بنوع من أنواع البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وخصوصاً الأنواع الخطيرة منها، مثل ميكروب السل الفائق المقاومة، والذي يقتل حالياً نحو 250 ألف شخص سنوياً. فمن بين 51 نوعاً من المضادات الحيوية تحت التجربة حالياً لعلاج العدوى بـ«البكتيريا السوبر»، بما في ذلك ميكروب السل المقاوم لعدد من العقاقير أو فائق المقاومة، بالإضافة إلى نوع من البكتيريا يسبب الإسهال، وأحياناً ما يكون قاتلاً، يوجد فقط 8 أنواع يتصفون بالابتكار في فكرتهم، أو بالتجديد في أسلوب التعامل مع المشكلة، أما باقي الـ51 نوعاً، فهي مجرد طبعات جديدة من نسخ قديمة، سيستغل تغيير التركيب الكيميائي لها في أغراض التسويق، أكثر منه في التعامل مع جذور المشكلة بطريقة مبتكرة وخلاقة. وعلى خلفية تزايد القلق والمخاوف من انتشار وتعاظم قدرة البكتيريا على مقاومة المضادات الحيوية المستخدمة في علاج أنواع كثيرة من العدوى البكتيرية، وما سيكون لهذه الظاهرة من تداعيات خطيرة على الجنس البشري، وضرورة إيجاد طرق جديدة ووسائل مبتكرة لمجابهة اتجاه الظاهرة، أرسلت شركة «آسترا زنيكا» خطاباً مفتوحاً إلى جريدة «فايننشال تايمز» البريطانية، وقع عليه ممثلو المنظمة الجامعة للشركات ومراكز الأبحاث العاملة في مجال التقنية الحيوية. وتضمن هذا الخطاب بعض التوقعات الصادمة، مثل أن تكلفة مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية ستؤدي إلى وفاة عشرة ملايين شخص بحلول عام 2050، حيث ستصبح الإجراءات والتدخلات الجراحية الروتينية، والعلاج الكيماوي للأمراض السرطانية، ونقل وزراعة الأعضاء، وحتى الولادة، إجراءات خطرة قد تودي بحياة المريض بسبب العدوى الثانوية التي قد تصاحبها، وعجز المضادات الحيوية حينها عن علاجها. ويقدر أيضاً أن هذا السيناريو، سيكلف الاقتصاد العالمي 100 تريليون دولار بحلول عام 2050. وترتبط ظاهرة ازدياد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، بفرط استخدام هذه الطائفة من العقاقير الطبية في إنتاج الغذاء. فمن الحقائق المثيرة التي تربط عالم الطب بعالم إنتاج الغذاء، هي كون أكثر من نصف الاستهلاك العالمي من المضادات الحيوية يستخدم في تربية الماشية والطيور الداجنة بأنواعها المختلفة، وأحياناً ما تزيد هذه النسبة على النصف بكثير. ففي الولايات المتحدة مثلا، في الوقت الذي يستخدم فيه 3400 طن سنوياً من المضادات الحيوية في الأغراض الطبية، نجد أن قطاع تربية الماشية ومزارع الدواجن يستهلك 8900 طن سنوياً، كما أظهر تقرير نشر في 2001 أن 70 بالمئة من المضادات الحيوية التي تصنع وتنتج في الولايات المتحدة، تستخدم لغرض تسمين الحيوانات والطيور. كما يعود جزء كبير من المشكلة إلى حقيقة أن المجتمع العلمي، فشل خلال العقود الأخيرة في اكتشاف أو تطوير أنواع جديدة من المضادات الحيوية، حيث تم اكتشاف أحدث وآخر مجموعة من المضادات الحيوية منذ نحو ثلاثين عاماً. ومما زاد الطين بلة، أن العديد من شركات الأدوية الكبرى، انسحبت تدريجياً من مجال اكتشاف وتطوير مضادات حيوية جديدة، بعد أن ظهر مدى ارتفاع تكلفة الأبحاث في هذا المجال، وضعف العائد والربحية. ومن الضروري هناك إدراك حقيقة أن حل مشكلة التزايد المطرد في قدرة الميكروبات على مقاومة ترسانة المضادات الحيوية المتوفرة حالياً للطب الحديث، لا يمكن أن تعتمد فقط على تطوير أدوية وعقاقير جديدة، بل يجب أن تعتمد أيضاً على تفعيل إجراءات الوقاية والتحكم في انتشار العدوى، مع الالتزام بالتوصيات والممارسات الصحيحة في استخدام المضادات الحيوية، سواء في علاج البشر، أو في الأغراض الزراعية وتربية الماشية.