في أبريل الماضي، كتبت عن واحدة من أكثر الأحاجي إزعاجاً في علم الاقتصاد وهي تقلص نصيب العمال. فهناك قدر أقل من الدخل الذي ينتجه الاقتصاد يذهب إلى العمال، وقدر أكبر من الدخل يذهب إلى أصحاب العمل. وهذا التوجه مثير للقلق، لأنه يساهم في زيادة عدم المساواة، لأن الفقراء يمتلكون قدراً أقل من الأرض ورأس المال في الاقتصاد عما يملكه الأغنياء. وتقليص قيمة العمال قد يؤدي أيضاً إلى زيادة البطالة والاضطراب الاجتماعي وحالة من التوعك العامة. ولا أحد يريد أن تتحول الرأسمالية إلى واقع كابوسي كما تنبأ بذلك كارل ماركس. ولهذا يتسابق الاقتصاديون لتشخيص الحالة قبل أن تتفاقم المشكلة، رغم أن تقلص نصيب العمال مازال حتى الآن متواضعاً. وفي الآونة الأخيرة، انصب كثير من الاهتمام على فكرة أن قوة الاحتكار قد تكون هي السبب في التحول. لكن الورقة البحثية الشهيرة التي رسمت هذا الارتباط- وهي من تأليف «ديفيد أوتور» و«ديفيد دورن» و«لورانس كاتز» و«كريستينا باترسون» و«جون فان رنين»- أظهرت أيضاً أن هذا الارتباط قد يكون مسؤولا عن 20% فقط في هذا التحول. وهذا يعني الحاجة إلى فحص تفسيرات أخرى محتملة لتقلص نصيب العمال مثل زيادة الاعتماد على الآلات والعولمة. ويجادل الاقتصاديون «ماي داو» و«ميتالي داس» و«سوكا كوتان» و«فايتشينج ليان» من صندوق النقد الدولي أن المسؤول عن هذا ليس الاعتماد على الآلات وحدها ولا نقل الأنشطة الاقتصادية إلى ملاذات ضريبية وحدها، لكن المسؤول هو التفاعل بين الأمرين. وكدليل على حجتهم، أشاروا إلى أن نصيب العمال يتناقص ليس في الدول الغنية فقط، بل في الدول النامية أيضاً. ولو كانت العولمة هي السبب الوحيد لما حدث هذا. ونظريات التجارة التقليدية توضح أن الدول الغنية تمتلك الكثير من رأس المال، وأن الدول الفقيرة تمتلك عدداً كبيراً من العمال، ولذا حين تبدأ التجارة بين الطرفين يتقلص نصيب العمال من الدخل في الدول الغنية بينما يتصاعد في الدول الفقيرة، التي كان فيها عدد العمال وافراً قبل بدء التجارة. لكن هذا لا يحدث. ولو كان الاعتماد على الآلات قد بدأ يجعل العمال من مخلفات الماضي، لما تعرضت الدول النامية لتناقص نصيب العمال في الوقت نفسه، وهذا لأن الدول النامية متخلفة تكنولوجياً عن الدول الغنية. وبالتالي يبقى اللغز هو لماذا ينخفض نصيب العمال في العالم النامي؟ وقدمت «داو» وشركاؤها في الدراسة فرضية مفادها أن الأمر يتعلق بأنماط الصناعات الموجودة في الدول الفقيرة قبل وبعد فتح الباب للتجارة. فحين تكون الدول الفقيرة منعزلة عن الاقتصاد العولمي فإنها تميل إلى التخصص في صناعات تعتمد كثيراً على العمالة الرخيصة مثل الزراعة والخدمات الأقل كلفة وتقدماً والصناعات البسيطة التي تحتاج إلى عدد كبير من العمال. وأصحاب الأملاك المحليين وملاك رأس المال الآخرين يبلون بلاء حسنا لكن لا تكون أمامهم فرصة لأن يصبحوا أثرياء حقاً لأن أي استثمار في الآلات أو التكنولوجيا قد يعرقله فيضان من العمال أصحاب الأجور المنخفضة. ولذا فإنهم لا يشغلون بالهم أصلا بضخ استثمارات. وهذا الشح في الإنفاق الرأسمالي يفاقمه نظام مالي بدائي أو مصاب بخلل وظيفي. لكن حين يجري فتح التجارة، تبدأ الدول الغنية بإرسال وظائف الصناعة إلى الدول الفقيرة. وهذه الوظائف تقدم فرصاً أفضل للعمال، لكنها توفر فرصاً أفضل بكثير للرأسماليين. وتنبأ اقتصاديو صندوق النقد الدولي أيضا بأن التكامل المالي العالمي يجب أن يساعد في تخفيف الضغط عن العمال في الدول الفقيرة. وإذا استطاعت الشركات الأميركية والأوروبية والتايوانية أن تستثمر في دول نامية مثل الصين فإن تدفق المال الأجنبي سيدعم دخول العمال المحليين ويقلص أرباح أصحاب رؤوس الأموال المحليين. فماذا عن الدول الغنية؟ الحجة تقول إن هناك تضافراً بين الاعتماد على الآلات والعولمة. وتستطيع الشركات في الدول الغنية شحن وظائف الصناعة التي تحتاج إلى عمالة كثيفة مثل تجميع الإلكترونيات ولعب الأطفال والملابس إلى الصين وبنجلاديش، بينما تشتري أدوات الآلات المتقدمة والروبوت لتنتج كماً أكبر من الصناعات المتقدمة مثل معالجات أجهزة الكمبيوتر والطائرات. ونتيجة لهذا، تضرر بشدة العمال في الدول الغنية التي كان فيها العمل الروتيني أكثر شيوعاً من التجارة الحرة وإدخال النظام الآلي منخفض الكلفة. أي بعبارة أخرى، فإن التفسيرين الأكثر تقليدية لعدم المساواة وانخفاض الأجور قد يكونا صحيحين. كما أن استخدام الروبوتات والتجارة الحرة بالإضافة إلى الاحتكار ربما يساعد في تحول القوة من العمال إلى الرأسماليين. وفي ظل هذه العوامل، فربما تكون الأحجية الحقيقية هي السؤال عن السبب الذي لا يجعل العمال يبلون بلاء أسوأ عما هم عليه. نوح سمث أستاذ التمويل المساعد السابق في جامعة ستوني بروك. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»